تهذيب السنن

[فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وهذا من العلو، وكذلك قوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].

وقال جل ذكره: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقوله لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقال: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ٢ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٢ - ٣]، والعروج هو الصعود.

وأما قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، فمعناه: مَن على السماء، يعني على العرش، وقد تكون «في» بمعنى «على»، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] أي: على الأرض، وكذلك قوله: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل. وهذا كله يعضده قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وما كان مثلَه مما تلونا من الآيات في هذا الباب. وهذه الآيات كلها واضحة في إبطال قول المعتزلة.

250

وأما ادعاؤهم المجازَ في الاستواء، وقولُهم: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى استولى= فلا معنى له، لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة: المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد. ومِن حقِّ الكلام أن يحمَل على حقيقته، حتى تتفق الأمة١ أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أُنزِل إلينا من ربِّنا إلا على ذلك، وإنما يوجَّه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدّعٍ ما ثبت شيء من العبارات، وجلّ اللهُ أن يخاطِب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين.

والاستواء في اللغة معلوم مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة٢: في قوله تعالى ﴿اسْتَوَى﴾، قال: علا، وتقول العرب: استويتُ فوق الدابة، واستويت فوق البيت.

قال أبو عمر: و[الاستواء:]٣ الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷿ في كتابه فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨].

  1. (١) ط. الفقي: «حتى يكون اتفاق من الأمة» خلافًا لما في الأصل و«التمهيد»، ولهذا التغيير نظائر في هذا النص المنقول لا نُمِلُّ القارئ بذكرها.
  2. (٢) انظر: «مجاز القرآن» له (١/ ٢٧٣، ٢/ ١٥).
  3. (٣) ساقط من الأصل و(هـ)، واستدركته من «التمهيد».
251

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي