وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى، لأن النجم لا يستولي.
وقد ذكر النَّضْر بن شُمَيل ــ وكان ثقةً مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة ــ، قال: حدثني الخليل ــ وحسبك بالخليل ــ قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان مِن أعلم مَن رأيتُ، فإذا هو على سطح، فسلَّمنا فردَّ علينا السلام وقال لنا: استووا، فبَقِينا متحيّرين ولم ندرِ ما قال، فقال لنا أعرابي إلى جنبه: أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو مِن قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾[فصلت: ١١]، فصعدنا إليه.
وأما من نزع منهم بحديث عبد الله بن واقد الواسطي بإسناده٢ عن ابن عباس: «﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي: استولى على جميع بريَّته، فلا يخلو منه مكان» = فالجواب أن هذا حديث منكر ونَقَلَته مجهولون ضعفاء، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا من الحديث لو عقلوا أو أنصفوا؟!
أما سمعوا الله ﷿ حيث يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ
(١) البيت بلا نسبة في «تهذيب اللغة» (٤/ ٢٦٥) ومنه في «اللسان» (صبح)، والرواية فيهما: «وصَبَّحْتُهم» أي أوردتهم صباحًا.
(٢) إسناده كما في «التمهيد» (٧/ ١٣٢): عبد الله بن واقد الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الصمد، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس.
[ق ٢٤٧] كَاذِبًا﴾ [غافر]، فدلَّ على أن موسى كان يقول إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبًا.
وقال أمية١:
فسبحان من لا يقدر الخلقُ قدرَهومن هو فوق العرش فرد موحَّدُ
مليك على عرش السماء مهيمنلعزته تعنو الوجوهُ وتسجدُ
قال أبو عمر: وإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾[الزخرف: ٨٤]، وبقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾[الأنعام: ٣]، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧] = قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء، فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح٢ المجمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود مِن أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير، وظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش، والاختلاف في ذلك ساقط، وأسعدُ الناس به من ساعده الظاهر.
وأما قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾، فالإجماع والاتفاق قد بيَّن المراد أنه معبود مِن أهل الأرض، فتدبّر هذا فإنه قاطع.
(١) في داليته المعروفة، في «ديوانه» (ص ٣٦٧ - ٣٧٤)، و«روائع التراث» لشيخنا محمد عزير شمس (ص ٢٣٢).