[ق ٢٤٧] كَاذِبًا﴾ [غافر]، فدلَّ على أن موسى كان يقول إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبًا.
وقال أمية١:
فسبحان من لا يقدر الخلقُ قدرَهومن هو فوق العرش فرد موحَّدُ
مليك على عرش السماء مهيمنلعزته تعنو الوجوهُ وتسجدُ
قال أبو عمر: وإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾[الزخرف: ٨٤]، وبقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾[الأنعام: ٣]، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧] = قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء، فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح٢ المجمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود مِن أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير، وظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش، والاختلاف في ذلك ساقط، وأسعدُ الناس به من ساعده الظاهر.
وأما قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾، فالإجماع والاتفاق قد بيَّن المراد أنه معبود مِن أهل الأرض، فتدبّر هذا فإنه قاطع.
(١) في داليته المعروفة، في «ديوانه» (ص ٣٦٧ - ٣٧٤)، و«روائع التراث» لشيخنا محمد عزير شمس (ص ٢٣٢).
(٢) في الأصل: «صحيح» دون لام التعريف، سبق قلم.
ومن الحجة أيضًا على أنه ﵎ على العرش فوق السماوات: أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمرٌ أو نزلت بهم شدة، رفعوا أيديهم ووجوههم إلى السماء فيستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يُحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يُوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم.
وقد قال النبي ﷺ للأمة١ التي أراد مولاها عتقَها، فاختبرها رسول الله ﷺ إن كانت مؤمنة، فقال لها: «أين الله؟» فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: «من أنا؟» قالت: رسول الله، قال: «أَعْتِقْها فإنها مؤمنة»، فاكتفى رسول الله ﷺ برفعها رأسها إلى السماء واستغنى بذلك عما سواه. هذا لفظ أبي عمر في «الاستذكار»، وذكره في «التمهيد» أطول منه٢.
وقال البيهقي٣
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا هارون بن سليمان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله قال: «بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء
(١) بعده في (هـ): «السوداء»، وليس في الأصل و«التمهيد».
(٢) سبق التنبيه على أن هذا لفظ «التمهيد» وأنه في «الاستذكار» بأخصر منه.
(٣) «الأسماء والصفات» (٢/ ٢٩٠)، وأخرجه الدارمي في «الرد على الجهمية» (ص ٥٥) و«الرد على بشر المريسي» (١/ ٤٢٢)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١٧٨)، وابن أبي الزمنين في «أصول السنة» (٣٩)، والطبراني في «الكبير» (٩/ ٢٢٨)، من طرق عن حماد بن سلمة به. قال الذهبي في «العلو» (١/ ٦١٧): إسناده صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٨٦): رجاله رجال الصحيح.