ومن الحجة أيضًا على أنه ﵎ على العرش فوق السماوات: أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمرٌ أو نزلت بهم شدة، رفعوا أيديهم ووجوههم إلى السماء فيستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يُحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يُوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم.
وقد قال النبي ﷺ للأمة١ التي أراد مولاها عتقَها، فاختبرها رسول الله ﷺ إن كانت مؤمنة، فقال لها: «أين الله؟» فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: «من أنا؟» قالت: رسول الله، قال: «أَعْتِقْها فإنها مؤمنة»، فاكتفى رسول الله ﷺ برفعها رأسها إلى السماء واستغنى بذلك عما سواه. هذا لفظ أبي عمر في «الاستذكار»، وذكره في «التمهيد» أطول منه٢.
وقال البيهقي٣
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا هارون بن سليمان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله قال: «بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء
(١) بعده في (هـ): «السوداء»، وليس في الأصل و«التمهيد».
(٢) سبق التنبيه على أن هذا لفظ «التمهيد» وأنه في «الاستذكار» بأخصر منه.
(٣) «الأسماء والصفات» (٢/ ٢٩٠)، وأخرجه الدارمي في «الرد على الجهمية» (ص ٥٥) و«الرد على بشر المريسي» (١/ ٤٢٢)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١٧٨)، وابن أبي الزمنين في «أصول السنة» (٣٩)، والطبراني في «الكبير» (٩/ ٢٢٨)، من طرق عن حماد بن سلمة به. قال الذهبي في «العلو» (١/ ٦١٧): إسناده صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٨٦): رجاله رجال الصحيح.
خمسمائة عام، وبين [السماء] السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام، والكرسي١ فوق الماء، والله ﷿ فوق الكرسي ويعلم ما أنتم عليه».
قال٢: ورواه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: «ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، ثم بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وغِلَظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، ثم ما بين السماء السابعة وبين الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي والماء خمسمائة عام، والكرسي٣ فوق الماء والله فوق العرش، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم».
وقال الشافعي ــ في كتاب «الأم»، ورُوِّيناه في «مسنده»٤ ــ: أخبرنا
(١) هكذا في الأصل وكتاب البيهقي هنا وفي الجملة التالية، والصواب أن العرش هو الذي فوق الماء، والله ﷾ فوق العرش، كما هو في سائر مصادر هذا الحديث.
(٢) البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢). وإسناده إلى عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي ضعيف، وممّا يدل على ضعفه قوله: «عن أبي وائل عن عبد الله» فإنه خطأ، والصواب: «عن زرّ عن عبد الله»، كما في رواية حماد بن سلمة السابقة، وكما في رواية المسعودي نفسه عند ابن خزيمة في «التوحيد» (٧٨٧) وأبي الشيخ في «العظمة» (٢/ ٥٦٥) من طريقين عنه.
(٣) كذا في الأصل وكتاب البيهقي، والصواب: العرش، وسبق التنبيه على نظيره.
(٤) «الأم» (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، و«مسند الشافعي» بترتيب سنجر (٤٦١) وبترتيب السندي (٣٧٤). وإسناده ضعيف جدًّا، إبراهيم بن محمد الأسلمي متروك الحديث، وموسى بن عبيدة الرَّبَذي ضعيف يحدّث بمناكير.