تهذيب السنن

وقال عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب فيما حكاه عنه أبو بكر بن فُورَك١: «وأخرج من النظر والخبر قولُ من قال: لا هو داخل العالم ولا خارجه فنفاه نفيًا مستويًا، لأنه لو قيل له: صِفْه بالعدم، ما قدر أن يقول فيه أكثر منه، ورَدَّ أخبارَ الله نصًّا، وقال في ذلك بما لا يجوز في خبر ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص، والنفي الخالص عندهم هو٢ الإثبات الخالص، وهم٣ عند أنفسهم قَيَّاسُون». هذا حكاية لفظه.

وقال الخطَّابي في كتاب «شعار الدين»٤: القول في أن الله تعالى مستوٍ على العرش: هذه المسألة سبيلها التوقيف المحض ولا يصل إليها الدليل من غير هذا الوجه، وقد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة فقبوله من جهة التوقيف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية غير

  1. (١) في كتابه «المجرّد» الذي جمع فيه مقالات ابن كلّاب، كما في «اجتماع الجيوش الإسلامية» للمؤلف (ص ٤٣٣)، وهو غير «مجرّد مقالات أبي الحسن الأشعري» له، بل ألّفه بعده على غراره، كما في خطبة كتابه التي نقلها شيخ الإسلام في «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٦٩ - ٧٥).
  2. (٢) في الأصل وط. الفقي: واو العطف، والتصحيح من (هـ) و«اجتماع الجيوش».
  3. (٣) في الأصل: «وهو» تصحيف، والتصحيح من (هـ) و«اجتماع الجيوش».
  4. (٤) ذكر هذا التأليف للخطابي أبو عمرو ابن الصلاح في «طبقات الفقهاء الشافعية» (١/ ٤٦٩ - ٤٧٠) وذكر أنه صرح فيه بأن الله في السماء. ونقل هذا الموضع منه شيخ الإسلام في «بيان تلبيس الجهمية» (٤/ ٤٩١ - ٤٩٤) بأطول مما هنا. ونقل في «مجموع الفتاوى» (٣/ ٢٦٢) و«بيان التلبيس» (١/ ١٧٢)، (٣/ ٣٨٨)، (٤/ ٢٨٣) موضعًا آخر منه في أن الله تعالى على عرشه بائن من جميع خلقه.
262

جائز، وقد قال مالك: «الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة»، فمن التوقيف الذي جاء به الكتاب قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].

وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩].

وقال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥].

وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ١٦ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦ - ١٧].

وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].

وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨].

وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].

وقال حكاية عن فرعون أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ٣٦ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ١ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فوقع قصد الكافر إلى الجهة التي أخبره موسى عنها، ولذلك لم يطلبه في طول الأرض وعرضها، ولم ينزل إلى طبقات الأرض سفلًا.

فدل ما تلوناه من هذه الآي على أن الله سبحانه في السماء مستوٍ على

  1. (١) في الأصل و(هـ): «لعلي أطلع إلى إله موسى» سهو، كأن المؤلف أو الناسخ اشتبهت عليه هذه الآية بآية سورة القصص: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ٣٨﴾.
263

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي