تهذيب السنن

جائز، وقد قال مالك: «الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة»، فمن التوقيف الذي جاء به الكتاب قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].

وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩].

وقال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥].

وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ١٦ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦ - ١٧].

وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].

وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨].

وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].

وقال حكاية عن فرعون أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ٣٦ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ١ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فوقع قصد الكافر إلى الجهة التي أخبره موسى عنها، ولذلك لم يطلبه في طول الأرض وعرضها، ولم ينزل إلى طبقات الأرض سفلًا.

فدل ما تلوناه من هذه الآي على أن الله سبحانه في السماء مستوٍ على

  1. (١) في الأصل و(هـ): «لعلي أطلع إلى إله موسى» سهو، كأن المؤلف أو الناسخ اشتبهت عليه هذه الآية بآية سورة القصص: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ٣٨﴾.
263

العرش، ولو كان بكلّ مكان لم يكن لهذا التخصيص معنى ولا فيه فائدة، وقد جرت عادة المسلمين خاصّتهم وعامّتهم١ بأن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم إلى السماء، وذلك لاستفاضة العلم عندهم بأن المدعو في السماء سبحانه٢. ثم ذكر قول من فسّر الاستواء بالاستيلاء وبيّن فساده.

وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب «مقالات المصلين»٣ له في باب ترجمته: «باب اختلافهم في الباري هل هو في مكان دون مكان، أم لا في مكان، أم في كل مكان؟ وهل حملة العرش ثمانية أملاك أم ثمانية أصناف من الملائكة؟ اختلفوا في ذلك على سبع عشرة مقالة». ثم قال: وقال أهل السنة والحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وإنه على العرش كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فلا نتقدم بين يدي الله في القول، بل نقول: استوى بلا كيف، وإن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وإن له يدين كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وإن له عينين كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وإنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وإنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث، ولم يقولوا شيئًا إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ. وقالت المعتزلة: إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى.

  1. (١) الأصل: «خاصّهم وعامّهم»، والمثبت من (هـ).
  2. (٢) هنا ينتهي النقل من «شعار الدين» للخطابي.
  3. (٣) (ص ٢١٠ - ٢١١) تحقيق هلموت ريتر.
264

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي