العرش، ولو كان بكلّ مكان لم يكن لهذا التخصيص معنى ولا فيه فائدة، وقد جرت عادة المسلمين خاصّتهم وعامّتهم١ بأن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم إلى السماء، وذلك لاستفاضة العلم عندهم بأن المدعو في السماء سبحانه٢. ثم ذكر قول من فسّر الاستواء بالاستيلاء وبيّن فساده.
وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب «مقالات المصلين»٣ له في باب ترجمته: «باب اختلافهم في الباري هل هو في مكان دون مكان، أم لا في مكان، أم في كل مكان؟ وهل حملة العرش ثمانية أملاك أم ثمانية أصناف من الملائكة؟ اختلفوا في ذلك على سبع عشرة مقالة». ثم قال: وقال أهل السنة والحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وإنه على العرش كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه: ٥]، فلا نتقدم بين يدي الله في القول، بل نقول: استوى بلا كيف، وإن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾[الرحمن: ٢٧]، وإن له يدين كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص: ٧٥]، وإن له عينين كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾[القمر: ١٤]، وإنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفجر: ٢٢]، وإنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث، ولم يقولوا شيئًا إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ. وقالت المعتزلة: إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى.
(١) الأصل: «خاصّهم وعامّهم»، والمثبت من (هـ).
(٢) هنا ينتهي النقل من «شعار الدين» للخطابي.
(٣) (ص ٢١٠ - ٢١١) تحقيق هلموت ريتر.
وقال بعد ذلك في حكاية قول أهل السنة والحديث١: هذه حكاية جملة قول٢ أصحاب الحديث وأهل السنة. جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرارُ بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئًا، وأنه تعالى إله واحد أحد فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه: ٥]، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾[المائدة: ٦٤]، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، وأن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾[الرحمن: ٢٧].
ثم ذكر مذهبَ عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب٣ فقال٤: «كان يقول: إن القرآن كلام الله ...» وساقه إلى أن قال: «وإنه مستوٍ على عرشه كما قال، وإنه تعالى فوق كل شيء». هذا كله لفظه في «المقالات».
(١) «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» (ص ٢٩٠).
(٢) في الأصل و(هـ): «قول جملة»، لعله انقلب سهوًا، وسيأتي على الصواب قريبًا.
(٣) كذا في الأصل وهو محض الصواب، وزعم محقق ط. المعارف أنه سهو شديد فغيّر «بن كلّاب» إلى «بن القطّان» وقال: «شتّان ما بينهما»، وليس كما زعم، بل هو هو، فعبد الله بن سعيد هو «القطّان»، وهو المشهور بـ «ابن كلّاب». انظر: «سير النبلاء» (١١/ ١٧٤)، و«لسان الميزان» (٤/ ٤٨٦).