تهذيب السنن

وقال بعد ذلك في حكاية قول أهل السنة والحديث١: هذه حكاية جملة قول٢ أصحاب الحديث وأهل السنة. جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرارُ بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئًا، وأنه تعالى إله واحد أحد فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، وأن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].

ثم ذكر مذهبَ عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب٣ فقال٤: «كان يقول: إن القرآن كلام الله ...» وساقه إلى أن قال: «وإنه مستوٍ على عرشه كما قال، وإنه تعالى فوق كل شيء». هذا كله لفظه في «المقالات».

  1. (١) «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» (ص ٢٩٠).
  2. (٢) في الأصل و(هـ): «قول جملة»، لعله انقلب سهوًا، وسيأتي على الصواب قريبًا.
  3. (٣) كذا في الأصل وهو محض الصواب، وزعم محقق ط. المعارف أنه سهو شديد فغيّر «بن كلّاب» إلى «بن القطّان» وقال: «شتّان ما بينهما»، وليس كما زعم، بل هو هو، فعبد الله بن سعيد هو «القطّان»، وهو المشهور بـ «ابن كلّاب». انظر: «سير النبلاء» (١١/ ١٧٤)، و«لسان الميزان» (٤/ ٤٨٦).
  4. (٤) «مقالات الإسلاميين» (ص ٢٩٨ - ٢٩٩).
265

وقال أبو الحسن الأشعري ﵀ أيضًا في كتاب «الموجز»١: فإن قالوا: أفتزعمون أن الله في السماء؟ قيل له: قد نقول: إن الله عال فوق العرش مستوٍ عليه، والعرش فوق السماء، ولا نَصِفه بالدخول في الأمكنة والمباينة لها. وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، فإن معناه أنه إله أهل الأرض وأهل السماء، وقد جاءت الأخبار أن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا، فكيف يكون٢ فيها وهو ينزل إليها؟! كما جاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ أن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا.

فهذا الذي استقر عليه مذهب أبي الحسن في كل كتبه كـ «الموجز» و«المقالات» و«المسائل» و«رسالته إلى الثغر»٣ و«الإبانة»: أن الله تعالى فوق عرشه مستوٍ عليه. ولا يُطلِق عليه لفظ المباينة لأنها عنده من لوازم الجسم والله تعالى منزّه عن الجسمية، فظن بعض أتباعه أنَّ نفيه للمباينة نفي للعلو والاستواء بطريق اللزوم، فنسبه إليه وقوّله ما هو قائل بخلافه، وهذا بيِّن لكل منصف تأمل كلامه وطالع كتبه.

[وختم أبو داود٤ هذا الباب بحديث جابر بن عبد الله ﵁ عن

  1. (١) مفقود، ذكره ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري» (ص ١٢٩)، ولم أجد هذا النقل منه في كتب شيخ الإسلام المطبوعة.
  2. (٢) في الأصل: «يقول» سبق قلم.
  3. (٣) كذا في الأصل، وفي الطبعتين: «إلى أهل الثغر»، وعلى كلا الوجهين وسمها شيخ الإسلام في تآليفه. وانظر (ص ٢٣٢ - ٢٣٤) منها لكلامه في إثبات العلو.
  4. (٤) برقم (٤٧٢٧)، وصححه الذهبي وابن كثير وابن حجر في آخرين.
266

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي