وبين أن تلقَي محمَّدًا والأحبة إلا أن يفارق روحُك جسدَك، كنتِ أحبَّ نساء النبي ﷺ إليه، ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيِّبًا. قالت: أيضًا١. قال: هلكت قلادتُك بالأبواء فأصبح رسول الله ﷺ يلتقطها، فلم يجدوا ماءً فأنزل الله ﷿: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾[النساء: ٤٣]، وكان ذلك بسببك وبركتك ما أنزل٢ الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة٣، وكان من أمر مِسطَحٍ ما كان فأنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سماوات، فليس مسجد يذكر الله فيه إلا وبراءتك تُتلى فيه آناءَ الليل وأطراف النهار.
وقال أبو عمر بن عبد البر٤: رُوينا من وجوه عن عمر بن الخطاب أنه خرج ومعه الناس [فمرَّ بعجوزٍ فاستوقفته، فوقف لها وجعل يحدِّثها وتحدِّثه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبستَ الناس على هذه العجوز، قال: ويلك! تدري من هذه؟ هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات ــ وذكر الحديث ــ]٥.
(١) كذا في الأصل و(هـ) و«صحيح ابن حبان» و«الحلية»، وأخشى أن يكون تصحيفًا عن «إيهًا» أي كُفَّ عنّي هذا الثناء ودعني منه. ويدل عليه أنها قالت في آخر القصة: «يا ابن عباس دعني منك ومن تزكيتك، فواللهِ لوددتُ أني كنت نسيًا منسيًّا».
(٢) في الأصل و(هـ): «فأنزل»، والمثبت من «صحيح ابن حبان» و«الحلية».
(٣) في الأصل والطبعتين: «الرخص»، والمثبت من المصدرين السابقين.
(٤) في «الاستيعاب» (٤/ ١٨٣٠)، وقد سبق (ص ٢٤٤ - ٢٤٥) نقل القصة بتمامها من «الأسماء والصفات» للبيهقي، فانظر تخريجها ثَمّ.
(٥) هذه الفقرة سقطت من الأصل ــ ولعله بانتقال النظر ــ، واستُدرك طرفها الأول من (هـ)، وكان في آخر الورقة، والتي تليها ساقطة، فما بين الحاصرتين من «اجتماع الجيوش» (ص ١٦٧) للمؤلف، وفيه النقلان عن ابن عبد البر على التوالي أيضًا.
وقال أبو عمر بن عبد البر١: رُوينا من وجوه صحاح٢ أن عبد الله بن رواحة مشى ليلة إلى أَمةٍ له فنالها، فرأته امرأته فلامته فجحدها، فقالت٣: إن كنتَ صادقًا فاقرأ القرآن، [ق ٢٥٠] فإن الجنب لا يقرأ القرآن، فقال:
شهدتُ بأن وعد الله حقوأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طافٍوفوق العرش رب العالمينا
فقالت امرأته: آمنت بالله وكذّبتُ عيني! وكانت لا تحفظ القرآن.
وفي «تاريخ البخاري»٤: حدثنا٥ محمد بن فضيل، عن فضيل بن
(١) في «الاستيعاب» (٣/ ٩٠٠ - ٩٠١).
(٢) ولكنها كلها مرسلة، أخرجها ابن أبي شيبة (٢٦٥٤٧)، والدارمي في «الرد على الجهمية» (ص ٥٦)، وابن عساكر في «تاريخه» (٢٨/ ١١٢ - ١١٨) من مرسل نافع، ويزيد بن الهاد، وقدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، وعن عبد العزيز بن الماجشون بلاغًا. وأخرجه الدارقطني (٤٣٢) وابن عساكر (٢٨/ ١١٦ - ١١٨) من مرسل عكرمة، ولكن ليس في أبياته موضع الشاهد. وضعّف القصة عبد الحق الإشبيلي والنووي. «الأحكام الوسطى» (١/ ٢٠٥)، و«المجموع» (٢/ ١٨٣).
(٣) في الأصل: «فقال»، خطأ.
(٤) (١/ ٢٠١ - ٢٠٢)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٨١٧٦) ــ وعنه الدارمي في «الرد» (ص ٥٣) و«النقض» (١/ ٥١٨ - ٥١٩) ــ، والبزار (١٠٣)، من طرق عن محمد بن فضيل به. إسناده جيد، رواته ثقات من رجال الجماعة، وقد صححه الذهبي في «العلو» (١/ ٦٠٠)، والقصة في «صحيح البخاري» من حديث ابن عباس وعائشة، إلا أنه ليس فيها الشاهد: «في السماء».
(٥) كذا، والذي في «التاريخ الكبير» أن محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى هو الذي سمعه من محمد بن فضيل به. والبخاري لم يُدرك ابن فضيل (ت ١٩٥) بله أن يكون قد سمع منه.