تهذيب السنن

علا وعز ــ مستوٍ على الأشياء كلها، على العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى الحشوش، وعلى الأقذار ــ تعالى الله ــ، لأنه قادر على الأشياء مستولٍ عليها. وإذا كان قادرا على الأشياء كلها، ولم يَجُز عند أحد من المسلمين أن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية= لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاءَ الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء كلها». ثم ذكر دلالات من القرآن والحديث والعقل والإجماع».

وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الأشعري في «كتاب الإبانة»١ له أيضًا: فإن قال قائل: أتقولون: إنه في كل مكان. قيل له: معاذ الله، بل هو مستوٍ على عرشه، كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]. قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يُرغَب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خُلِق منها ما لم يكن، وينقصَ بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصحَّ٢ أن نرغب إليه نحوَ الأرض، وإلى خلفنا، وإلى يميننا، وإلى شمالنا؛ وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه.

  1. (١) ونقله منه شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٩٨ - ٩٩)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٤/ ٤٨٦ - ٤٨٧)، و«درء التعارض» (٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، والذهبي في «العلو» (٢/ ١٢٩٨)، والمؤلف في «اجتماع الجيوش» (ص ٤٦٥ - ٤٦٦) باختصار.
  2. (٢) الطبعتين: «يصحّ»، ورسم الأصل محتمل، والمثبت موافق لكتب شيخ الإسلام.
286

وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في «عقيدته»١: طريقتنا طريقة المتبعين لكتاب الله والسنة وإجماع الأمة فيما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن رسول الله ﷺ في العرش واستواء الله يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه، ولا يحُلُّ فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستوٍ على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه.

وقد تقدم حكاية كلام أبي عمر بن عبد البر في «كتاب الاستذكار»٢. وقال في «التمهيد»٣ لما ذكر حديث النزول: «هذا حديث ثابت النقل من جهة الإسناد ولم يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قال الجماعة، وهو من حجّتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله بكل مكان». ثم ذكر الاحتجاج لقول الجماعة وأطال.

[ق ٢٥٣] وفي «كتاب السنة»٤ لعبد الرحمن بن أبي حاتم عن سعيد بن

  1. (١) نعتها شيخ الإسلام بـ «المشهورة عنه» ونقل منها هذا النص في «درء التعارض» (٦/ ٢٥٢)، كما نقله في «الحموية الكبرى» (٥/ ٦٠ - الفتاوى)، و«بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٢١٢)، ونقله الذهبي في «العلو» (٢/ ١٣٠٥) بأطول منه.
  2. (٢) ما تقدَّم بطوله هو من «التمهيد»، وقد سبق التنبيه على وهم المؤلف في عزوه إلى «الاستذكار».
  3. (٣) (٧/ ١٢٨ - ١٢٩).
  4. (٤) ساق الذهبيّ في «العلو» (٢/ ١٠٣٣) إسناده: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حُدِّثتُ عن سعيد بن عامر الضُّبَعي. وعلّقه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٢٦) عن سعيد.
287

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي