النار إلى ربها»١، و«أن موسى لَطَم عين مَلَك الموت»٢؟ فقال أحمد: هذا كله صحيح. قال إسحاق: ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي.
فإن قيل: فكيف تصنعون فيما رواه النسائي٣: أخبرني إبراهيم بن يعقوب، حدثني عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو إسحاق، حدثنا أبو مسلم الأغر قال: سمعت أبا هريرة وأبا سعيد الخدري يقولان: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يُمهل حتى يمضي شطرُ الليل الأول، ثم يأمر مناديًا ينادي ويقول: هل من داعٍ يستجاب له؟ هل من مستغفر
(١) تمامه كما في «المسائل» و«الشريعة»: «حتى يضع الله فيها قدمه»، وهو المعنيّ بالسؤال. أخرجه البخاري (٧٤٤٩) ومسلم (٢٨٤٦) من حديث أبي هريرة، وأخرجاه (خ ٤٨٤٨، م ٢٨٤٨) أيضًا من حديث أنس. تنبيه: حديث أنس أوله: «لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد ...»، حديث أبي هريرة أوله عند البخاري: «اختصمت الجنة والنار إلى ربّهما ...»، وعند مسلم: «تحاجّت النار والجنة ...»، فاللفظ الذي ذكره إسحاق في سؤاله (اشتكت النار ...) هو من باب الرواية بالمعنى، وليس مراده البتة حديث: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا فأذنْ لي بنفَسَين ...» كما توهّمه محقق ط. المعارف في التخريج.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٣٩) ومسلم (٢٣٧٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) في «الكبرى» (١٠٢٤٣)، وأخرجه أبو يعلى (٥٩٣٦) من طريق آخر عن حفص بن غياث به، وفي لفظه نكارة، وهي قوله: «ثم يأمر مناديًا ينادي»، فإنه مخالف لما في سائر الطرق عن أبي إسحاق عن الأغر، ومخالف لسائر الطرق عن أبي هريرة. انظر: «الضعيفة» للألباني (٣٨٩٧).
يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟» ــ وهذا الإسناد ثقات كلهم ــ؟
قلنا: وأي منافاة بين هذا وبين قوله: «ينزل ربنا، فيقول»؟ وهل يسوغ أن يقال: إن المنادي يقول: «أنا الملِك»، ويقول: «لا أسأل عن عبادي غيري»١، ويقول: «من يستغفرني فأغفر له»؟
وأي بُعد في أن يأمر الله مناديًا ينادي: «هل من سائل فيستجاب له» ثم يقول هو سبحانه: «من يسألني فأستجيب له»؟ وهل هذا إلا أبلغُ في الكرم والإحسان أن يأمر مناديه يقول ذلك، ويقول سبحانه بنفسه! وتتصادق الروايات كلها عن رسول الله ﷺ، ولا نصدّق بعضَها ونكذّب ما هو أصح منه، وبالله تعالى التوفيق٢.
١١ - باب في القرآن
٥٧٨/ ٤٥٧١ - وعن عبد الله ــ وهو ابن مسعود ﵁ ــ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تكلم الله بالوحي سمعَ أهلُ السماء صَلْصَلةً كجَرِّ السِّلسِلة على الصَّفا، فيُصْعَقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريلُ، حتى إذا جاءهم جبريل فُزِّعَ عن قلوبهم»، قال: «فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربُّك؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحقَّ الحقَّ»٣.
(١) جاء هذا في حديث النزول من رواية رفاعة الجهني ﵁. أخرجه أحمد (١٦٢١٥)، وابن ماجه (١٣٦٧)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٢٣٦)، وابن حبان (٢١٢).
(٢) وانظر: «شرح حديث النزول» لشيخ الإسلام (٥/ ٣٧٢ - الفتاوى).
(٣) «سنن أبي داود» (٤٧٣٨)، ورواته ثقات وأخرجه ابن حبّان في «صحيحه» (٣٧)، إلا أنه قد اختلف في وقفه ورفعه، والموقوف هو المحفوظ كما قال الدارقطني في «العلل» (٨٥٢)، على أن له حكم الرفع لكونه مما لا مجال للرأي فيه.