تهذيب السنن

رسول الله، هل نفعتَ أبا طالب بشيء فإنه كان يَحُوطك ويغضب لك؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار».

فقد تضمنت هذه الأحاديث خمسةَ أنواع من الشفاعة:

أحدها: الشفاعة العامة التي يرغب فيها الناس إلى الأنبياء، نبيًّا بعد نبي حتى يريحَهم الله من مقامهم.

النوع الثاني: الشفاعة في فتح باب الجنة لأهلها.

النوع الثالث: الشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة.

النوع الرابع: الشفاعة في إخراج قوم من أهل التوحيد من النار.

النوع الخامس: في تخفيف العذاب عن بعض أهل النار.

ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس:

أحدهما: في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها. وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه، وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يَشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون. فلم أظفر فيه بنص.

والنوع الثاني: شفاعته ﷺ لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب ورفعة الدرجات. وهذا قد يستدل عليه بدعاء النبي ﷺ لأبي سلمة وقوله: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين»١، وقوله في حديث أبي موسى: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، واجعله يوم القيامة فوق كثير من

  1. (١) أخرجه مسلم (٩٢٠) من حديث أم سلمة ﵂.
313

خلقك»١.

وفي قوله في حديث أبي هريرة: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله» سِرّ من أسرار التوحيد، وهو أن الشفاعة إنما تنال بتجريد التوحيد، فمن كان أكمل توحيدًا كان أحرى بالشفاعة، لا أنها تنال بالشرك بالشفيع كما عليه أكثر المشركين، وبالله التوفيق.

١٣ - [ق ٢٥٧] باب الحوض

٥٨٢/ ٤٥٧٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أمامَكم حَوْضًا ما بين ناحِيتَيه كما بين جَرْبَا وأذْرُحَ٢».

وأخرجه مسلم٣.

٥٨٣/ ٤٥٧٩ - وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ فنزلنا منزلًا، فقال: «ما أنتم جُزءٌ من مائة ألف جزءٍ ممن يَرِدُ عليَّ الحوضَ». قال: قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: سبعمائة، أو ثمانمائة٤.

٥٨٤/ ٤٥٨٠ - وعن أنس بن مالك قال: أَغْفَى رسولُ الله ﷺ إغفاءة، فرفعَ

  1. (١) أخرجه البخاري (٤٣٢٣، ٦٣٨٣)، ومسلم (٢٤٩٨).
  2. (٢) جربا وأذرح قريتان متجاورتان في أطراف الشام، كما في «معجم البلدان» (١/ ١٢٩). وقال الحافظ ضياء الدين المقدسي ــ كما في «الفتح» (١١/ ٤٧٢) ــ في الجزء الذي جمعه في الحوض: إنه وقع في حديث ابن عمر حذف واختصار من بعض الرواة تقديره: «كما بين مقامي وبين جربا وأذرح»، وساق بإسناده من حديث أبي هريرة ما يدلّ على ذلك.
  3. (٣) أبو داود (٤٧٤٥)، ومسلم (٢٢٩٩). وأخرجه البخاري (٦٥٧٧) أيضًا.
  4. (٤) «سنن أبي داود» (٤٧٤٦). وأخرجه أحمد (١٩٢٦٨) والحاكم (١/ ٧٦ - ٧٧).
314

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي