فأما المنهال بن عمرو فروى له البخاري في «صحيحه»، وقال يحيى بن معين والنسائي: المنهال ثقة، وقال الدارقطني: صدوق، وذكره ابن حبان في «الثقات»١.
والذي اعتمده أبو محمد بن حزم في تضعيفه أن ابن أبي حاتم٢ حكى عن شعبة أنه تركه، وحكاه أحمد عن شعبة. وهذا لو لم يذكر٣ سبب تركه لم يكن موجِبًا لتضعيفه، لأن مجرد ترك شعبة له لا يدل على ضعفه، فكيف وقد قال ابن أبي حاتم: إنما تركه شعبة لأنه سمع في داره صوتَ قراءةٍ بالتطريب.
ورُوي عن شعبة قال: أتيت منزل المنهال فسمعتُ صوتَ الطنبور فرجعت٤.
فهذا سبب جرحه، ومعلوم أن شيئًا من هذا لا يقدح في روايته، لأن غايته أن يكون عالمًا به مختارًا له، ولعله متأول فيه، فكيف وقد يمكن أن لا يكون ذلك بحضوره ولا إذنه ولا علمه؟! وبالجملة فلا يُردّ حديثُ الثقات بهذا وأمثاله.
وأما العلة الثانية، وهي أن بين الأعمش فيه وبين المنهال: الحسن بن
(١) انظر «تهذيب الكمال» (٧/ ٢٣٩)، وترجمته ساقطة من مطبوعة «الثقات».
(٢) «الجرح والتعديل» (٨/ ٣٥٧).
(٣) في الطبعتين: «نذكر»، ولا يساعده السياق.
(٤) أسنده العقيلي في «الضعفاء» (٦/ ١٠٢) بإسناد صحيح عن وهب بن جرير عن شعبة، وفيه أن وهبًا قال له: «هلّا سألتَه؟ فعسى كان لا يعلم».
عمارة، فجوابها: أنه قد رواه عن المنهال جماعة، كما قاله ابن عدي١؛ فرواه عبد الرزاق٢ عن معمر عن يونس بن خَبّاب٣ عن المنهال، ورواه حماد بن سلمة عن يونس عن المنهال٤ = فبطلت العلة من جهة الحسن بن عمارة، ولم يضرّ دخول الحسن شيئًا.
وأما العلة الثالثة: وهي أن زاذان لم يسمعه من البراء، فجوابها من وجهين: أحدهما: أن أبا عوانة الإسفراييني رواه في «صحيحه»٥ وصرح فيه بسماع زاذان له من البراء فقال: «سمعت البراء بن عازب» فذكره.
(١) وقد سبق كلامه عند المنذري، وبنحوه قال أبو نعيم الأصبهاني كما نقله شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٣٩).
(٢) في «المصنف» (٦٧٣٥)، وعنه أحمد (١٨٦١٤)، ثم من طريقه الحاكم (١/ ٣٩)، وفيه ذكر أن الملائكة يعرجون بالروح فيقول الله تعالى: «ارجعوه ..». وإسناده لا بأس به في المتابعات، فإن يونس بن خبّاب صدوق على لين فيه، ومن كذّبه فلرأيه فإنه كان شيعيًّا غاليًا.
(٣) في الطبعتين: «حباب» بالحاء المهملة، خطأ.
(٤) لم أجده من هذا الطريق، والظاهر أن قوله: «حماد بن سلمة» سهو أو سبق قلم، والصواب «حمّاد بن زيد»، فإن عبد الله أخرجه في «مسند أبيه» (١٨٦١٥) وفي «السنة» (١٤٢٢) من طريق حمّاد بن زيد عن يونس به، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (١٥٤٨) والروياني (٣٨٩) من طريق حماد بن زيد عن يونس به مختصرًا بذكر طرف منه، ولم يُذكر في ترجمة يونس بن خباب أن حماد بن سلمة روى عنه. وقد روي من طرق أخرى عن المنهال، وفي أكثرها نظر. انظرها في «المعجم الأوسط» للطبراني (٣٤٩٩، ٧٤١٧، ٩٤٧٤)، و«مستدرك الحاكم» (١/ ٣٩ - ٤٠).
(٥) ليس في القدر المطبوع منه، وجاء التصريح بالسماع أيضًا عند أحمد (١٨٥٣٥) وأبي داود (٤٧٥٤) والحاكم (١/ ٣٨، ٣٩).