والثاني: أن ابن منده١ رواه عن الأصمّ: حدثنا الصَّغاني٢ حدثنا أبو النضر، حدثنا عيسى بن المسيب، عن عدي بن ثابت، عن البراء، فذكره.
فهذا عدي [ق ٢٥٨] بن ثابت قد تابع زاذان. قال ابن منده: ورواه أحمد بن حنبل، ومحمود بن غيلان، وغيرهما عن أبي النضر.
ورواه ابن منده٣ أيضًا من طريق محمد بن سلَمة عن خُصَيف الجزَري، عن مجاهد، عن البراء.
قال أبو موسى الأصبهاني٤: «هذا حديث حسن مشهور بالمنهال عن زاذان»، وصححه أبو نعيم٥ والحاكم وغيرهما.
(١) في «كتاب الروح والنفس»، كما في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٤٢ - ٤٤٤) لشيخ الإسلام و«كتاب الروح» للمؤلف (١/ ١٣٠ - ١٣٣)، وأخرجه أيضًا الطبري في «تهذيب الآثار» (٢/ ٥٠٠ - مسند عمر)، وابن الأعرابي في «معجمه» (٧٨٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٩١) كلهم من طريق الصَّغاني به. وفيه: «ثم يُصعد به إلى السماء فيفتح له ... فيقول الرب ﷿ ردوا عبدي إلى مضجعه». وإسناده لا بأس به في المتابعات، فإن عيسى بن المسيب صدوق ليس بالقوي.
(٢) في الأصل وط. الفقي: «الصنعاني» خطأ، وفي ط. المعارف: «الصاغاني»، وهو وجه صحيح في هذه النسبة، وقد سبق تقريره.
(٣) في «كتاب الروح والنفس»، كما في «كتاب الروح» للمؤلف (١/ ١٣٤ - ١٣٦) وساق لفظه، وفيه: «ثم عرجا به إلى الجنة فتفتح له أبواب السماء ... فيقول الله ﷿: رُدُّوا روح عبدي إلى الإرض ...». وإسناده لا بأس به في المتابعات، فإن خصيفًا صدوق يُعتبر به على سوء حفظه.
(٤) نقله عنه المنذري في «المختصر» (٧/ ١٤٤).
(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٣٩)، وممن صححه ابن منده في «كتاب الإيمان» له (٢/ ٩٦٥).
وأما ما ظنه أبو محمّد من معارضة هذا الحديث لقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨]، وأنهما حياتان وموتان١ لا غير= فجوابه: أنه ليس في الحديث أنه يحيا حياة مستقرة في قبره، والحياتان المذكورتان في الآية هما اللتان ذُكرا٢ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾[غافر: ١١]، وهاتان حياتان مستقرتان، وأما رد الروح إليه في البرزخ للسؤال فردٌّ عارض لا يتّصل به حياةٌ تُعَدّ حياةً ثالثة٣، فلا معارضة بين الحديث والقرآن بوجه من الوجوه، وبالله التوفيق.
وفي «الصحيحين»٤ عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك، حتى يبعثك الله يوم القيامة».
وفي «صحيح مسلم»٥ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا أن لا تَدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر». وفي «صحيحه»٦ أيضًا عن زيد بن ثابت قال: بينا النبي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تُلقيه. وإذا أَقْبُرٌ ستة ــ أو خمسة أو أربعة ــ فقال:
(١) في الطبعتين: «موتتان» خلافًا للأصل.
(٢) كذا في الأصل، والوجه: «ذُكرَتا».
(٣) في الطبعتين: «بعد حياة ثالثة»، تحريف أضاع المعنى وأفسد الكلام.