رسول الله ﷺ القيام جدًّا، حتى تجلّاني الغَشْي، فأخذت قِربةً من ماء، فجعلت أصب على رأسي ــ أو على وجهي ــ من الماء. قالت: فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلت الشمس، فخطب رسول الله ﷺ الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد، ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيتُه في مقامي هذا حتى الجنةَ والنار، وإنه قد أوحي إلي١: أنكم تُفتنون في قبوركم قريبًا ــ أو مثل ــ فتنة المسيح الدجال ــ لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء؟ ــ فيُؤتى أحدكم٢ فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو المُوقن ــ لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء ــ فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وأطعنا (ثلاث مرات)، فيقال له: قد كنّا٣ نعلم أنك تؤمن به، فنَمْ صالحًا، وأما المنافق أو المرتاب ــ لا أدري: أي ذلك قالت أسماء ــ فيقول: لا أدري، سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلتُ».
وفي «صحيح ابن حبان»٤ من حديث أبي عبد الرحمن الحُبُليّ عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله [ق ٢٥٩] عليه وسلم ذكر فتَّانَي القبر، فقال عمر ﵁: أتُردُّ علينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال: «نعم كهيئتكم
(١) في الأصل: «إليكم»، وفي الهامش: «لعله: إلي»، وهو على الصواب في (هـ).
(٢) الأصل: «أحدهم»، والتصحيح من (هـ) و«الصحيحين».
(٣) «كنّا» من (هـ) و«الصحيحين».
(٤) برقم (٣١١٥)، وأخرجه أحمد (٦٦٠٣) وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٤٥٠)، والطبراني في «الكبير» (١٤/ ٨١)، كلهم من طريق حُيي بن عبد الله المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي به. وإسناده لا بأس به في الشواهد والمتابعات، وإلا فحُيَي ليس بالقوي. انظر: «ميزان الاعتدال» (١/ ٦٢٣ - ٦٢٤).
اليوم»، قال: فبِفِيه الحجر!١.
وفي «صحيحه»٢
أيضًا من حديث سعيد المَقْبُري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قُبِر أحدكم ــ أو الإنسان ــ أتاه ملَكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر والآخر: النكير، فيقولان له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل (لمحمد ﷺ)؟ فهو قائل ما كان يقول، فإن كان مؤمنًا قال: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان له: إنّ كنا لنعلم إنك لتقول٣ ذلك، ثم يُفسَح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ذراعًا، ويُنوّر له فيه، فيقال له: نَمْ نومة العروس لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجَعه ذلك.
وإن كان منافقًا قال: لا أدري، كنت أسمع الناس يقولون شيئًا فكنت أقوله، فيقولان له: إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك، ثم يقال للأرض: الْتَئِمي عليه، فتلتَئِم عليه حتى تختلف فيها أضلاعُه، فلا يزال معذّبًا حتى يبعثه الله
(١) بفِيه الحجر: دعا عليه بالسوء، والمراد هنا استعظام تيك الحال التي يُفتن فيها الميت.
(٢) برقم (٣١١٧)، وأخرجه الترمذي (١٠٧١)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٩٠)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن إسحاق المدني، عن سعيد المقبري به. الحديث صحيح، وهذا إسناد حسن، فإن عبد الرحمن بن إسحاق من رجال مسلم، لكن فيه كلام يسير من قِبل حفظه، ولذا قال الترمذي: «حسن غريب»، وقد توبع، تابعه محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه، وسيأتي.
(٣) ط. الفقي: «أنك تقول» سقطت اللام، وفي ط. المعارف: «أنك لتقول» استُدركت اللام ولكن بقيت همزة «إنك» مفتوحة، وهو خطأ، فإن أفعال القلوب إذا عُلّق عنها باللام وجب كسر «إن» بعدها نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾.