أيضًا من حديث سعيد المَقْبُري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قُبِر أحدكم ــ أو الإنسان ــ أتاه ملَكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر والآخر: النكير، فيقولان له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل (لمحمد ﷺ)؟ فهو قائل ما كان يقول، فإن كان مؤمنًا قال: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان له: إنّ كنا لنعلم إنك لتقول٣ ذلك، ثم يُفسَح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ذراعًا، ويُنوّر له فيه، فيقال له: نَمْ نومة العروس لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجَعه ذلك.
وإن كان منافقًا قال: لا أدري، كنت أسمع الناس يقولون شيئًا فكنت أقوله، فيقولان له: إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك، ثم يقال للأرض: الْتَئِمي عليه، فتلتَئِم عليه حتى تختلف فيها أضلاعُه، فلا يزال معذّبًا حتى يبعثه الله
(١) بفِيه الحجر: دعا عليه بالسوء، والمراد هنا استعظام تيك الحال التي يُفتن فيها الميت.
(٢) برقم (٣١١٧)، وأخرجه الترمذي (١٠٧١)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٩٠)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن إسحاق المدني، عن سعيد المقبري به. الحديث صحيح، وهذا إسناد حسن، فإن عبد الرحمن بن إسحاق من رجال مسلم، لكن فيه كلام يسير من قِبل حفظه، ولذا قال الترمذي: «حسن غريب»، وقد توبع، تابعه محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه، وسيأتي.
(٣) ط. الفقي: «أنك تقول» سقطت اللام، وفي ط. المعارف: «أنك لتقول» استُدركت اللام ولكن بقيت همزة «إنك» مفتوحة، وهو خطأ، فإن أفعال القلوب إذا عُلّق عنها باللام وجب كسر «إن» بعدها نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾.
من مضجَعه ذلك».
وفي «صحيحه»١ أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾[طه: ١٢٤]، قال: «عذاب القبر».
وفي «صحيحه»٢ أيضًا عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل الميت القبر مُثِّلَت له الشمس عند غروبها، فيقول: دَعُوني أصلي».
وفي «صحيحه»٣ أيضًا عن أم مُبشِّر قالت: دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ
(١) برقم (٣١١٩)، وأخرجه الحاكم (١/ ٣٨١) موقوفًا، والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» (٥٧، ٥٨) مرفوعًا؛ كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. إسناده حسن، وهو مختصر من حديث طويل مروي من طرق عن محمد بن عمرو به، وفيه: «ثم يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، وتلك المعيشة الضنك التي قال الله ﷿ ...»، وسيأتي بتمامه.
(٢) برقم (٤٢٧٢)، وأخرجه ابن ماجه (٤٢٧٢)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٩٣)، والضياء في «المختارة» ــ كما في «سير النبلاء» (١٣/ ٢٨٠ - ٢٨١) ــ، كلهم من طريق إسماعيل بن حفص الأُبُلِّي، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي سفيان به. تفرّد به إسماعيل وليس مشهورًا بالثقة، بل امتنع أبو حاتم أن يقول فيه: لا بأس به، وغيره يروي حديث فتنة القبر عن أبي بكر بن عياش فلا يذكرون فيه تمثّل الشمس للميت، كما عند أحمد (١٤٥٤٧) وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٩٢) وأبي يعلى (٢٣١٦)، وكذلك لم يذكره أبو الزبير عن جابر، كما عند عبد الرزاق (٦٧٤٤) وأحمد (١٤٧٢٢)، وإنما ثبت ذلك من حديث أبي هريرة (وسيأتي)، فلعل إسماعيل وهم فيه فقلب إسناده.
(٣) برقم (٣١٢٥)، وأخرجه أحمد (٢٧٠٤٤)، وابن ابي شيبة (١٢١٥٩)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٩٠١) كلهم من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشّر. إسناده جيّد، إلا أن أبا سفيان خالفه أبو الزبير فرواه عن جابر عن النبي ﷺ، لا يذكر فيه أم مبشّر، أخرجه أحمد (١٤١٥٢) وغيره، وأيًّا ما كان فالحديث صحيح على كلا التقديرين.