قال: «وإن الكافر إذا أتي من قِبَل رأسه لم يوجد شيء، ثم أُتي عن يمينه فلا يوجد شيء، ثم أُتي عن شماله فلا يوجد شيء، ثم أُتي من قبل رجليه فلا يوجد شيء، فيقال له: اجلس، فيجلس خائفًا مرعوبًا، فيقال له: أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أي رجل؟ فيقال: الذي كان فيكم، فلا يهتدي لاسمه حتى يقال له: محمد، فيقول: ما أدري، سمعت الناس قالوا قولًا فقلتُ كما قال الناس، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يُفتح له باب من أبواب النار، فيقال له: هذا مقعدك من النار وما أعد الله لك فيها، فيزداد حسرةً وثُبورًا، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة [ق ٢٦٠] فيقال له: ذلك مقعدك من الجنة، وما أعد الله لك فيها لو أطعتَه، فيزداد حسرةً وثُبورًا، ثم يُضيَّق عليه قبرُه حتى تختلف فيه أضلاعه، وتلك المعيشة الضنك التي قال الله ﷿: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾[طه: ١٢٤]».
١٥ - باب الميزان
٥٨٨/ ٤٥٨٧ - عن الحسن ــ وهو البصري ــ عن عائشة ﵂ أنها ذكرت النارَ فبكت، فقال رسول الله ﷺ: «ما يبكيك؟» قالت: ذكرتُ النار فبكَيتُ، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: «أمَّا في ثلاثة مواطِنٍ فلا يذكرُ أحدٌ أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيَخِفُّ ميزانه أو يثقل؟ وعند الكتاب حين يقال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾[الحاقة: ١٩] حتى يَعلم أين يقع كتابُه، أفي يمينه أم في شِماله أم من وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وُضِعَ بين ظَهْري جهنم»١.
(١) «سنن أبي داود» (٤٧٥٥). وأخرجه الحاكم (٤/ ٥٧٨) وقال: حديث صحيح إسناده على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة.
قال ابن القيم ﵀: وقد أخرجا في «الصحيحين»١ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم».
وفي «جامع الترمذي»٢ من حديث النضر بن أنس بن مالك عن أبيه قال: سألتُ النبي ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: «أنا فاعل»، قال: قلت: يا رسول الله فأين أطلبك؟ قال: «اطلُبْني أولَ ما تطلبني على الصراط»، قال قلت: فإن لم ألقَك على الصراط؟ قال: «فاطلبني عند الميزان»، قال قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: «فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وروى الليث بن سعد عن عامر بن يحيى المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي أنه قال: سمعتُ عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ: «يُصاح برجلٍ من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فيُنشَر له تسعة وتسعون سجلًّا، كل سجل منها مدَّ البصر، ثم يقول الله ﵎ له: أتنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب، [فيقول ﷿: ألك عُذر
(١) البخاري (٦٤٠٦، ٦٦٨٢، ٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤).
(٢) برقم (٢٤٣٣)، وأخرجه أحمد (١٢٨٢٥)، والضياء في «المختارة» (٧/ ٢٤٦ - ٢٤٩) من طرق عن حرب بن ميمون الأنصاري، عن النضر به. قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وصححه الضياء على رسم مسلم، وفيه نظر فإن حرب بن ميمون لم يُخرج له مسلم سوى حديثٍ واحد عن النضر في المتابعات، وقال الدارقطني في «تعليقاته على المجروحين» (ص ٧٩): حرب بن ميمون يحدّث عن النضر بن أنس بنسخة لا يتابَع عليها.