الشام وتتركون هؤلاء يَخلفونكم في ذراريِّكم وأموالكم؟! والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغارُوا في سَرْحِ الناس، فسِيروا على اسم الله. قال سلمة بن كهيل: فنزَّلني زيد بن وهب منزلًا منزلًا حتى مرَّ بنا على قنطرة، قال: فلما التقينا وعلى الخوارج عبد الله بن وهبٍ الرَّاسبي، فقال لهم: ألقُوا الرِّماح وسُلُّوا السيوف من جفونها، فإني أخاف أن يُناشدوكم كما ناشدوكم يوم حَرُوراء، قال: فوحَّشوا برماحهم وسَلُّوا السيوف، وشَجَرهم الناس برماحهم، قال: وقُتِلوا بعضُهم على بعضهم، قال: وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان، فقال علي ﵁: التمسوا فيهم المُخْدَج، فلم يجدوا، قال: فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناسًا قد قتل بعضهم على بعض، فقال: أخرجوهم، فوجدوه ممَّا يلي الأرض، فكبَّر وقال: صدق اللهُ وبلَّغ رسوله، فقام إليه عَبِيدة السَّلْماني فقال: يا أمير المؤمنين، واللهِ الذي لا إله إلا هو لقد سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ؟ فقال: إي واللهِ الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثًا وهو يحلف.
وأخرجه مسلم١.
٥٩٥/ ٤٦٠١ - وعن أبي الوضيء ــ وهو عبّاد بن نُسيب القيسي٢ البصري ــ قال: قال علي ﵁: اطلبوا المُخدَج ــ فذكر الحديث ــ، فاستخرَجوه من تحت القتلى في طين. قال أبو الوضيء: فكأنني أنظر إليه حبشي عليه قُرَيطِقٌ له، إحدى يديه مثل ثدي المرأة، عليها شعيرات مثل شعيرات التي تكون على ذَنَب اليربوع»٣.
(١) أبو داود (٤٧٦٨)، ومسلم (١٠٦٦/ ١٥٦).
(٢) في «المختصر» المطبوع: «العيشي»، وفي المخطوط: «العبسي»، والمثبت من مصادر ترجمته.
(٣) «سنن أبي داود» (٤٧٦٩)، وإسناده صحيح.
٥٩٦/ ٤٦٠٢ - عن أبي مريم ــ وهو قيس الثقفي المدائني، وقد سمع من علي ﵁ ــ قال: إن كان ذلك المُخدَج لَمَعنا يومئذ في المسجد، نجالسه بالليل والنهار، وكان فقيرًا، ورأيته مع المساكين يشهد طعام علي ﵁ مع الناس وقد كسوتُه بُرنسًا لي. قال أبو مريم: وكان المخدج يسمَّى نافعًا ذا الثُدَيَّة، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حَلَمةٌ مثل حلمة الثدي وعليه شعيرات مثل سِبالة السِّنَّور»١.
قال ابن القيم ﵀: وقد روى مسلم في «صحيحه»٢ عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل [رسولَ الله ﷺ] بالجعرانة مُنصرَفَه من حنينٍ، وفي ثوب بلال فضة ورسولُ الله ﷺ يَقبض منها ويُعطي الناس، فقال: يا محمد اعدِلْ، فقال: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خِبْتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل»، فقال عمر بن الخطاب ﵁ دعني يا رسولَ الله أقتلْ هذا المنافق، فقال: «معاذَ الله أن يتحدث الناسُ أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابَه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرميّة».
وروى البخاري٣ هذا الحديث مختصرًا، قال: بينما النبي ﷺ يقسم غَنِيمة بالجِعْرانة، إذ قال له رجل: اعدل، فقال: «لقد شَقِيتَ إن لم أعدل!».
والصواب في هذا فتحُ التاء من: «خبت وخسرت»، والمعنى: أنك إذن خائب خاسر، إن كنتَ تقتدي في دِينك بمن لا يعدل، وتجعله بينك وبين الله، ثم تزعم أنه ظالم غير عادل. ومن رواه بضم التاء لم يفهم معناه هذا.
(١) «سنن أبي داود» (٤٧٧٠)، وإسناده لا بأس به في المتابعات والشواهد.