٥٩٦/ ٤٦٠٢ - عن أبي مريم ــ وهو قيس الثقفي المدائني، وقد سمع من علي ﵁ ــ قال: إن كان ذلك المُخدَج لَمَعنا يومئذ في المسجد، نجالسه بالليل والنهار، وكان فقيرًا، ورأيته مع المساكين يشهد طعام علي ﵁ مع الناس وقد كسوتُه بُرنسًا لي. قال أبو مريم: وكان المخدج يسمَّى نافعًا ذا الثُدَيَّة، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حَلَمةٌ مثل حلمة الثدي وعليه شعيرات مثل سِبالة السِّنَّور»١.
قال ابن القيم ﵀: وقد روى مسلم في «صحيحه»٢ عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل [رسولَ الله ﷺ] بالجعرانة مُنصرَفَه من حنينٍ، وفي ثوب بلال فضة ورسولُ الله ﷺ يَقبض منها ويُعطي الناس، فقال: يا محمد اعدِلْ، فقال: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خِبْتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل»، فقال عمر بن الخطاب ﵁ دعني يا رسولَ الله أقتلْ هذا المنافق، فقال: «معاذَ الله أن يتحدث الناسُ أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابَه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرميّة».
وروى البخاري٣ هذا الحديث مختصرًا، قال: بينما النبي ﷺ يقسم غَنِيمة بالجِعْرانة، إذ قال له رجل: اعدل، فقال: «لقد شَقِيتَ إن لم أعدل!».
والصواب في هذا فتحُ التاء من: «خبت وخسرت»، والمعنى: أنك إذن خائب خاسر، إن كنتَ تقتدي في دِينك بمن لا يعدل، وتجعله بينك وبين الله، ثم تزعم أنه ظالم غير عادل. ومن رواه بضم التاء لم يفهم معناه هذا.
(١) «سنن أبي داود» (٤٧٧٠)، وإسناده لا بأس به في المتابعات والشواهد.
(٢) برقم (١٠٦٣)، وما بين الحاصرتين منه.
(٣) برقم (٣١٣٨).
وفي «الصحيحين»١ عن أبي سعيد قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قَسْمًا، أتاه ذو الخُوَيصِرة ــ وهو رجل من بني تميم ــ فقال: يا رسول الله اعدل، قال رسول الله ﷺ: «ويلَك! من يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل!»، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ائذن لي فيه أضربْ عنقه، قال رسول الله ﷺ: «دعه، فإن له أصحابًا يَحْقِر أحدكم صلاتَه مع صلاتهم، [ق ٢٦١] وصيامَه مع صيامهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، يُنظَر إلى نَصْله فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظَر إلى رِصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيِّه فلا يوجد فيه شيء ــ وهو القِدْح ــ، ثم يُنظَر إلى قُذَذِه٢ فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عَضُدَيه مثل ثَدْي المرأة ــ أو مثل البَضْعة ــ تَدَرْدَر، يخرجون على حين فُرقة من الناس». قال أبو سعيد: «فأَشهد أني سمعتُ هذا من رسول الله ﷺ، وأشهد أنّ علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتُمِس، فوجد فأتي به، حتى نظرتُ إليه على نعتِ رسول الله ﷺ الذي نعت».
زاد البخاري٣ فنزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾[التوبة: ٥٨].
(٢) نَصْل السهم: حديدته. والرِّصاف: جمع «رَصَفة»، وهي العَصَب التي تُلوى وتُشد على مدخل النصل في السهم. والنضيُّ: هو القِدْحُ، أي القضيب الذي يُجعل فيه النصل. والقُذَذ: ريش السهم، واحدتها: «قُذَّة».
(٣) برقم (٦٩٣٣).
(٤) لصحيح البخاري، وذلك في الحديث (٦٩٣٣)، وأما في الموضعين السابقين (٣٦١٠، ٦١٦٣) فهذه اللفظة هي في رواية الكُشمِيهني. انظر: الطبعة السلطانية (٤/ ٢٠٠، ٨/ ٣٨، ٩/ ١٧)، و«إرشاد الساري» للقسطلاني (٦/ ٥٩، ٩/ ٩٩، ١٠/ ٨٨).