تهذيب السنن

وفي الترمذي١ أيضًا عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «إن مِن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يومَ القيامة أحاسِنَكم أخلاقًا، وإن أبغضَكم إلي وأبعدَكم مني الثَّرثارون والمتشدقون والمُتفَيهِقون»، قالوا يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدّقون، فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون». قال الترمذي: حديث حسن.

والثرثار هو الكثير الكلام تكلفًا، والمتشدّق المتطاول على الناس بكلامه الذي يتكلم بمِلء فيه تفاصُحًا وتفخيمًا وتعظيمًا لكلامه، والمتفيهق أصله من الفَهَق وهو الامتلاء، وهو الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسع فيه تكثّرًا وارتفاعًا وإظهارًا لفضله على غيره.

قال الترمذي٢: قال عبد الله بن المبارك: حُسن الخلق: طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكفّ الأذى.

وقال غيره: حسن الخلق قسمان:

أحدهما: مع الله ﷿، وهو أن يعلم أن كل ما يأتي منك يوجِب عذرًا، وكل ما يأتي من الله يوجب شكرًا، فلا تزال شاكرًا له معتذرًا إليه،

  1. (١) برقم (٢٠١٨)، وإسناده حسن كما قال الترمذي، وله شاهدان من حديث أبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني ﵄، فالأول أخرجه أحمد (٨٨٢٢) والبخاري في «الأدب المفرد» (١٣٠٨)، وفي إسناده لين، والثاني أخرجه أحمد (١٧٧٣٢) وابن حبان (٤٨٢)، من رواية مكحول عن أبي ثعلبة، وهو مرسل.
  2. (٢) برقم (٢٠٠٥). وروي أنه اجتمع السفيانان وفضيل بن عياض وابن المبارك فتذاكروا معنى حسن الخلق فاتفقوا على هذه الثلاث. انظر: «شعب الإيمان» (٧٧٠٨).
352

سائرًا إليه بين مطالعة منّته وشهود عيب نفسك وأعمالك.

والقسم الثاني: حسن الخلق مع الناس، وجِمَاعه أمران: بذل المعروف قولًا وفعلًا، وكف الأذى قولًا وفعلًا.

وهذا إنما يقوم على أركان خمسة: العلم، والجود، والصبر، وطِيب العُود، وصحة الإسلام.

أما العلم فلأنه به يَعرف معالِيَ الأخلاق وسَفْسافَها، فيمكنه أن يتصف بهذا ويتحلّى به، ويتركَ هذا ويتخلّى عنه.

وأما الجود فسماحة نفسه وبذلُها وانقيادُها لذلك إذا أراده منها.

وأما الصبر فلأنه إن لم يصبر على احتمال ذلك والقيام بأعبائه١ لم يتهيأ له.

وأما طِيب العُود فأن يكون الله تعالى خَلَقه على طبيعة منقادة سهلة القياد، سريعةِ الاستجابة لداعي الخيرات. والطبائع ثلاثة: طبيعة حجرية صلبة قاسية، لا تلين ولا تنقاد؛ وطبيعة مائية هوائية سريعةُ الانقياد، مستجيبةٌ لكل داع، كالغصنِ أيُّ نسيمٍ مرّ يعطفه ــ وهاتان منحرفتان؛ الأولى لا تقبل، والثانية لا تحفظ ــ؛ وطبيعة قد جمعت اللين والصلابة والصفاء٢، فهي تقبل بلينها، وتحفظ بصلابتها، وتدرك حقائق الأمور بصفائها، فهذه الطبيعة الكاملة التي ينشأ عنها كل خُلُق صحيح.

  1. (١) الأصل: «بأعبائها»، والمثبت من (هـ).
  2. (٢) وهي الطبيعة الزجاجية، انظر: «كتاب الروح» (٢/ ٦٧٧) و«الوابل الصيب» (ص ١٢٠ - ١٢٢) كلاهما للمؤلف.
353

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي