فيكون معنى الحديث على هذا: النهي عن قَصْر اسم الكرم على شجر العنب، بل المسلم أحقُّ بهذا الاسم منه.
وهذا نظير قوله: «ليس الشديد بالصُّرَعة، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب»١، أي مالك نفسه أولى أن يُسمّى شديدًا من الذي يصرع الرجال.
وكقوله: «ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي تردّه اللُّقمة واللقمتان والأَكْلة والأكلتان، ولكنّه الذي لا يسأل الناس ولا يُفْطَن له فيُتصدّق عليه»٢، أي هذا أولى بأن يقال له مسكين من الطوّاف الذي تسمونه مسكينًا.
ونظيره في المُفْلِس٣ والرَّقُوب٤ وغيرهما.
(١) أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة. وعلّقه البخاري أيضًا في «باب قول النبي ﷺ: إنما الكرم قلب المؤمن» ليفسّر به الحديث على نحو ما هنا، وعلّق في الباب أيضًا قوله ﷺ: «إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة»، وسيذكره المؤلف لاحقًا.
(٢) أخرجه البخاري (١٤٧٦، ١٤٧٩، ٤٥٣٩)، ومسلم (١٠٣٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) يشير إلى حديث: «أتدرون ما المفلس؟ ... إن المفلس من أمتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا ...» الحديث. أخرجه مسلم (٢٥٨١) عن أبي هريرة، وعلّقه البخاري مختصرًا في باب قول النبي ﷺ: «إنما الكرم قلب المؤمن».
(٤) وهو حديث ابن مسعود مرفوعًا: «ما تَعدّون الرقوب فيكم؟» قلنا: الذي لا يُولَد له، قال: «ليس ذاك بالرَّقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدّم من ولده شيئًا». أخرجه مسلم (٢٦٠٨).
ونظيره قوله: «ليس الواصلُ بالمكافئ ولكنّه الذي إذا قُطِعَت رَحِمُه وصلها»١، وإن كان هذا ألطف من الذي قبله.
وقيل في معنى النهي وجه آخر، وهو: قصد النبي ﷺ سلب هذا الاسم المحبوب للنفوس التي يلذ لها سماعه عن هذه الشجرة التي تُتّخذ منها أم الخبائث، فيسلُبها الاسم الذي يدعو النفوس إليها، ولا سيما فإن العرب قد تكون سمَّتها كرْمًا لأن الخمر المتخذةَ منها تحث على الكرَم وبذل المال، فلما حرّمها الشارع نفى اسم المدح عن أصلها، وهو «الكَرْم» كما نفى اسم المدح عنها، وهو «الدواء»، فقال: «إنها داء، وليست بدواء»٢. ومَن عرف سرّ تأثير الأسماء في مسمّياتها نُفرةً وميلًا عرف هذا، فسلبها النبي ﷺ هذا الاسم الحسن، وأعطاه من هو أحق به منها، وهو قلب المؤمن.
ويؤكد المعنى الأول أن النبي ﷺ شبّه المسلم بالنخلة٣ لما فيها من المنافع والفوائد، حتى إنها كلَّها منفعة، لا يذهب منها شيء بلا منفعة حتى شوكها، ولا يسقط عنها لباسُها وزينتها كما لا يسقط عن المسلم زينته، فجذوعها للبيوت والمساكن والمساجد وغيرها، وسَعَفها للسقوف وغيرها، وخُوصها للحُصُر والمكاتل والآنية وغيرها، ومَسَدُها للحِبال وآلات الشد والحلّ وغيرها، وثمرها يؤكل رطبا ويابسًا، ويُتخذ قوتًا وأُدمًا، وهو أفضل المخرج في زكاة الفطر تقرّبًا إلى الله وطهرةً للصائم، ويتخذ منه ما يتخذ
(١) أخرجه البخاري (٥٩٩١).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٨٥٩) ــ واللفظ له ــ، ومسلم (١٩٨٤) من حديث وائل بن حُجْر ﵁.
(٣) في حديث ابن عمر المتفق عليه. البخاري (٦١، ٢٢٠٩، ٦١٢٢) ومسلم (٢٨١١).