ونظيره قوله: «ليس الواصلُ بالمكافئ ولكنّه الذي إذا قُطِعَت رَحِمُه وصلها»١، وإن كان هذا ألطف من الذي قبله.
وقيل في معنى النهي وجه آخر، وهو: قصد النبي ﷺ سلب هذا الاسم المحبوب للنفوس التي يلذ لها سماعه عن هذه الشجرة التي تُتّخذ منها أم الخبائث، فيسلُبها الاسم الذي يدعو النفوس إليها، ولا سيما فإن العرب قد تكون سمَّتها كرْمًا لأن الخمر المتخذةَ منها تحث على الكرَم وبذل المال، فلما حرّمها الشارع نفى اسم المدح عن أصلها، وهو «الكَرْم» كما نفى اسم المدح عنها، وهو «الدواء»، فقال: «إنها داء، وليست بدواء»٢. ومَن عرف سرّ تأثير الأسماء في مسمّياتها نُفرةً وميلًا عرف هذا، فسلبها النبي ﷺ هذا الاسم الحسن، وأعطاه من هو أحق به منها، وهو قلب المؤمن.
ويؤكد المعنى الأول أن النبي ﷺ شبّه المسلم بالنخلة٣ لما فيها من المنافع والفوائد، حتى إنها كلَّها منفعة، لا يذهب منها شيء بلا منفعة حتى شوكها، ولا يسقط عنها لباسُها وزينتها كما لا يسقط عن المسلم زينته، فجذوعها للبيوت والمساكن والمساجد وغيرها، وسَعَفها للسقوف وغيرها، وخُوصها للحُصُر والمكاتل والآنية وغيرها، ومَسَدُها للحِبال وآلات الشد والحلّ وغيرها، وثمرها يؤكل رطبا ويابسًا، ويُتخذ قوتًا وأُدمًا، وهو أفضل المخرج في زكاة الفطر تقرّبًا إلى الله وطهرةً للصائم، ويتخذ منه ما يتخذ
(١) أخرجه البخاري (٥٩٩١).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٨٥٩) ــ واللفظ له ــ، ومسلم (١٩٨٤) من حديث وائل بن حُجْر ﵁.
(٣) في حديث ابن عمر المتفق عليه. البخاري (٦١، ٢٢٠٩، ٦١٢٢) ومسلم (٢٨١١).
من شراب الأعناب، ويزيد عليه بأنه قُوت وحده بخلاف الزبيب، ونواه علف للإبل التي تحمل الأثقال إلى بلدٍ لا يُبْلَغ إلا بشقّ الأنفس، ويكفي فيه أن نواه يُشترى به العنب، فحَسْبك بثَمَرٍ١ نواه ثَمَن لغيره!
وقد اختلف الناس في العنب والنخل: أيهما أفضل وأنفع؟ واحتجت كل طائفة بما في أحدهما من المنافع٢.
والقرآن قد قدّم النخيل على الأعناب في موضع٣، وقدم الأعناب عليه في موضع٤، وأفرد النخل عن الأعناب٥، ولم يفرد العِنَب عن النخيل٦.
وفصل الخطاب في المسألة أن كلَّ واحد منهما في الموضع الذي يكثر فيه ويقلّ وجودُ الآخر أفضل وأنفع، فالنخيل بالمدينة والعراق وغيرهما أفضل وأنفع من
(١) في الأصل والطبعتين: «بتمرٍ»، والمثبت أوفق للسياق.
(٢) وقد ذكر المؤلف هذه المسألة أيضًا في «طريق الهجرتين» (٢/ ٨٠٨) و«مفتاح دار السعادة» (٢/ ٦٥٦).
(٣) وذلك في سور: البقرة (٢٦٦)، والأنعام (٩٩)، والنحل (١١، ٦٧)، والإسراء (٩١)، والمؤمنون (١٩)، ويس (٣٤).
(٤) وذلك في سور: الرعد (٤)، والكهف (٣٢)، وعبس (٢٨ - ٢٩).
(٥) وذلك في سور: الأنعام (١٤١)، والشعراء (١٤٨)، وق (١٠)، والرحمن (١١، ٦٨).
(٦) أي في سياق ذكر ما يكون في الدنيا، وإلا ففي نعيم الآخرة قد أُفرِد العنب عن النخيل بالذكر؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾.