هذا الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح، لأن ابن المبارك روى هذا عن ثورٍ عن رجاء، قال: حُدِّثت عن كاتب المغيرة، مرسل عن١ النبي ﷺ.
العلة الثالثة: أنَّ الوليد بن مسلم لم يصرِّح فيه بالسماع من ثور بن يزيد، بل قال فيه: "عن ثور"؛ والوليد مدلِّس، فلا يُحْتجّ بعنعنته ما لم يصرِّح بالسماع.
العلة الرابعة: أن كاتب المغيرة لم يسمَّ فيه، فهو مجهول. ذكر أبو محمد بن حزم٢ هذه العلة.
وفي هذه العلل نظر:
أما العلة٣ الأولى وهي: أن ثورًا لم يسمعه من رجاء، فقد قال الدارقطني في "سننه"٤: نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، نا داود بن رُشَيد، نا الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد قال: نا رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة بن شعبة، عن المغيرة، فذكره. فقد صرَّح في هذه الرواية بالتحديث وبالاتصال، فانتفى الإرسال عنه.
وأما العلة الثالثة: وهي تدليس الوليد، وأنه لم يصرِّح بسماعه، فقد رواه
(١) قوله "كاتب المغيرة مرسل عن" سقط من ط. الفقي.
(٢) في "المحلى": (٢/ ١١٤).
(٣) قوله: "العلة" كتبت فوق السطر وعليها علامة التصحيح. وغيّر النص في (ط. الفقي) إلى: "أما العلتان الأولى والثانية: وهما أن ... وأنه مرسل". وهو تصرّف بلا تنبيه، ولا حاجة إليه.
(٤) (٧٥٢).
أبو داود١ عن محمود بن خالد الدمشقي، ثنا الوليد، أنا ثور بن يزيد. فقد أُمِنَ تدليس الوليد في هذا.
وأما العلة الرابعة: وهي جهالة كاتب المغيرة، فقد رواه ابن ماجه في "سننه"٢ وقال: "عن رجاء بن حَيْوة، عن ورَّاد كاتب المغيرة، عن المغيرة".
وقال شيخنا أبو الحجاج المِزّي٣: رواه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عُمير، عن وَرَّاد، عن المغيرة. تم كلامه.
وأيضًا: فالمعروف بكتابة المغيرة هو مولاه ورَّاد، وقد خُرِّج له في "الصحيحين"٤، وإنما تُرك ذِكْر اسمه في هذه الرواية لشهرته وعدم التباسه بغيره. ومن له خبرة بالحديث ورواته لا يتمارى في أنه وَرَّاد كاتبه.
وبعد، فهذا حديث قد ضَعَّفه [ق ٢٦] الأئمة الكبار: البخاري، وأبو زرعة، والترمذي، وأبو داود، والشافعي، ومن المتأخرين: أبو محمد بن حزم. وهو الصواب، لأن الأحاديث الصحيحة كلها تخالفه.
وهذه العلل وإن كان بعضها غير مؤثِّر، فمنها ما هو مؤثِّرٌ مانعٌ من صحة الحديث. وقد تفرَّد الوليد بن مسلم بإسناده ووَصْلِه، وخالفه من هو أحفظ منه وأجلّ، وهو الإمام الثبت عبد الله بن المبارك، فرواه عن ثور، عن رجاء
(١) (١٦٥).
(٢) (٥٥٠).
(٣) في "تحفة الأشراف": (٨/ ٤٩٧).
(٤) خرج له البخاري أحاديث منها برقم (٨٤٤، ٢٤٠٨، ٥٩٧٥)، ومسلم برقم (٥٩٣، ١٤٩٩).