تهذيب السنن

لقبه الشين، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرت لأعلمت له «ق»، إذ هو مشهور بأبيه، ولم أكتب هذا إلا في الجزء الثاني لمّا طال اسمهما وتكرَّر١.

وقد تعبتُ في تجريد هذه الزوائد لكني استفدت بها مقصدَين من أعظم المقاصد، أحدهما: مطالعة الكتاب، والثاني: تسهيل هذه الزيادات على الطلاب.

واعْلم أنّ هذا التجريد أفاد أمرًا حسنًا وفضلًا بيِّنًا، وذلك أنّ الناظر في كتاب الحافظ المنذري لا يستغني عمّا زاده عليه الحافظ ابن القيم، والناظر في كلام الحافظ ابن القيم لا يستغني عن كتاب الحافظ المنذري، لأنّ الشيخ ابن القيم لم يكتب في كتابه جميع ما حشّى به الإمام المنذري، بل كثيرًا ما يحذف منه فوائد لا تُعَدّ ولا تُحصَى لكثرتها= فإذا كان عند الإنسان كتاب المنذري وهذا التجريد استغنى به عن طُول النظر في كتاب الحافظ ابن القيم. ثم ولو نظر في كتاب ابن القيم لا يقدر على التمييز بين كلامه وكلام المنذري حتى يقابل البابَين اللذَين ينظر فيهما معًا ــ كما فعل كاتبه ــ فتتبيَّنَ له الزيادة، فيحتاج إلى طول زمان والعمرُ قصير، والشغل كثير، والأجل في مسير!

ثم إنّ الإمام الحافظ أبا عبد الله محمدًا شمس الدين ختم كتابَه بألفاظ تروق الأسماع والأبصار، ويحصل بها لناظرها وسامعها اتِّعاظ واعتبار، فقال:

  1. (١) أما نحن في طبعتنا هذه فقد أثبتنا كلام المنذري بخط مسوّد تمييزًا له، وكلام ابن القيم مُصدَّرًا بـ «قال ابن القيم ﵀»، هكذا من أول الكتاب إلى آخره.
450

«ووقع الفراغ منه في الحِجْر ــ شرَّفه الله تعالى ــ تحت مِيزاب الرحمة في بيت الله، آخرَ شوال سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة١، وكان ابتداؤه في رجب من السنة المذكورة.

وتضرَّع كاتبه إلى الله تعالى في بيته أن يجعله زادًا له ولإخوانه من أهل السنة إلى جنَّته، وبلاغًا له ولهم إلى مرضاته، وعونًا لهم على طاعته، وسببًا لنيل مغفرته ورحمته، وأن يجعلهم من المؤتَمِّين به، المقدِّمين له على غيره، المحكِّمين له المتحاكِمين إليه عند التنازع، التاركين غيرَه له، ولا يجعلهم من التاركين له لغيره، إنّه سميع الدعاء وأهل الرجاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وصلى الله على فاتح باب الهُدى ومُخرِج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم وهاديهم إلى صراط العزيز الحميد، الذي أبان الله به المحجَّة، وأقام به الحجَّة، وأنار به السبيل، وأوضح به الدليل، وهدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وأرشد به من الغيّ، وفتح به أعينًا عُميًا وآذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلفًا، فلم يدَع بابًا من أبواب الهدى والعلم إلا فتحه، ولا مُشكِلًا إلا أوضحه، ولا طريقًا تقرِّب إلى الجنة وتباعد من النار إلا بيَّنها، وأرشد أمَّته إليها ودلَّهم عليها، فاستغنى به الموفَّقون المهديُّون من أمته عن كل ما سواه، ولم يكن بهم إلى أحد سواه حاجة، ومن جاءهم بشيء من العلم عرضوه على قوله وسنته، فإن زكّاه قبِلوه وارتضَوه، وإن لم يزكِّه اطَّرحوه وتركوه، فهم الأغنياء به، المفتقرون إلى ما جاء به أشدَّ٢ من افتقار الجسد والروح

  1. (١) تحرّف في ط. المعارف إلى: «وتسع مائة».
  2. (٢) ط. المعارف: «إلى ما حباه الله»، تحريف.
451

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي