تهذيب السنن

علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه.

قال البيهقي: ورُوّينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس: "الوضوء مما خرج، وليس مما دخل". وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مَسّت النار.

ثم ذَكَر عن ابن مسعود أنه أُتِيَ بقصعةٍ من الكبد والسّنام من لحم الجزور، فأكل ولم يتوضَّأ. قال: وهذا منقطع وموقوف.

ورُوي عن أبي عبيدة قال: كان عبد الله بن مسعود يأكل من ألوان الطعام ولا يتوضَّأ منه.

قال البيهقي: وبمثل هذا لا يُتْرَك ما ثبت عن رسول الله ﷺ. [ق ٢٨] هذا كلامه في "السنن الكبير". وهو كما ترى صريحٌ في اختياره القولَ بأحاديث النقض. واختاره ابن خزيمة.

ومن العجب معارضة هذه الأحاديث بحديث جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مَسّت النار"١،

ولا تعارض بينهما

  1. (١) أخرجه أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٨٥)، وابن خزيمة (٤٣)، وابن حبان (١١٣٤)، والبيهقي: (١/ ١٥٥ - ١٥٦) من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به.
    وأعله أبو حاتم في "العلل" (١٦٨) للاضطراب في المتن، وذكر أبو داود وابن حبان بأنه مختصر من حديث: "قرّبت للنبي ﷺ خبزًا ولحمًا فأكل ... " الحديث، وفيه أنه أكل لحمًا ولم يتوضأ. وذكر ابن أبي حاتم أن شعيب بن أبي حمزة يمكن أن يكون حدّث به من حفظه فوهم.
    وناقش هذا التعليل ابن دقيق العيد في "الإمام" فاستبعد قضية الاختصار.
    وأُعل بعلة أخرى بأن ابن المنكدر لم يسمع هذا الحديث من جابر، وإنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل عنه. وعبد الله صدوق فيه بعض اللين. وللحديث شواهد. والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان وابن السكن والنووي وابن الملقن وغيرهم. ينظر "الإمام": (١/ ٤٠٣ - ٤٠٥)، و"البدر المنير": (٢/ ٤١٢ - ٤١٦)، و"التلخيص": (١/ ١٢٥ - ١٢٦).
132

أصلًا؛ فإنَّ حديثَ جابر هذا إنما يدلّ على أن كونه ممسوسًا بالنار ليس جهة من جهات نقض الوضوء، ومَن نازعكم في هذا؟

نعم، هذا يصلح أن يحتجّوا به على من يوجب الوضوء مما مسَّت النار، على صعوبة تقرير دلالته. وأما من يجعل كون اللحم لحمَ إبل هو الموجِبَ للوضوء، سواء مَسَّته النار أم لم تمسّه، فيوجب الوضوءَ من نِيِّه ومطبوخه وقديده، فكيف يُحتجّ عليه بهذا الحديث؟ وحتى لو كان لحم الإبل فردًا من أفراده، فإنما تكون دلالته بطريق العموم، فكيف يُقدَّم على الخاص؟ هذا مع أن العموم لم يُسْتَفد ضِمْنَ كلامِ١ صاحب الشرع، وإنما هو من قول الراوي.

وأيضًا: فأبْيَن مِن هذا كلّه: أنه لم يحكِ لفظًا، لا خاصًّا ولا عامًّا، وإنما حكى أمرين هما فعلان، أحدهما متقدِّم، وهو فعل الوضوء، والآخر متأخّر، وهو تركه مِن ممسوس النار. فهاتان واقعتان، توضّأ في أحدهما٢ وترك

  1. (١) "ضمن كلام" كتبه الناسخ لحقًا، ثم ضرب على "كلام" لوجوده في الصلب، ولكن مسبوقًا بحرف "مِن". فأصلح في طبعة الفقي هكذا: "ضمنًا من كلام"، وفي طبعة المعارف أصلحها إلى: "لم يستفد من كلام". ويظهر أن "مِن" تصحيف "ضمن". والله أعلم.
  2. (٢) كذا في الأصل والوجه: "إحداهما". وقد تكرّر مثله في الكتاب في مواضع سبق بعضها.
133

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي