تهذيب السنن

بل كان يفعل مرةً هذا ومرةً هذا.

قال ابن مفوّز١: وهذا كله تصحيحٌ للخطأ الفاسد بالخطأ البَيّن؛ أما حديث أبي إسحاق من رواية [ق ٢٩] الثوري وغيره فأجْمَع من تقدّم من المحدِّثين ومن تأخَّر منهم أنه خطأ منذ زمان أبي إسحاق إلى اليوم، وعلى ذلك تلقَّوه منه وحملوه عنه، وهو أول حديث أو ثان مما ذكره مسلم في كتاب "التمييز"٢ له، مما حُمِل من الحديث على الخطأ.

وذلك أن عبد الرحمن بن الأسود٣، وإبراهيم النخعي ــ وأين يقَعُ أبو إسحاق من أحدهما، فكيف باجتماعهما على مخالفته؟! ــ رويا الحديثَ بعينه عن الأسود بن يزيد، عن عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا كان جُنُبًا فأراد أن ينام توضأ وضوءَه للصلاة"٤، فحكم الأئمة برواية هذين الفقيهين الجليلين عن الأسود على رواية أبي إسحاق عن الأسود، عن عائشة: "أنه كان ينام ولا يمسّ ماء"، ثم عضدوا ذلك برواية عروة، وأبي سلمة بن

  1. (١) تحرف في ط. الفقي إلى "معوذ"، وقد تقدمت ترجمته، وأن له كتابًا يردّ فيه على ابن حزم، فلعل النقل منه. وقد ذكر تعليله الحافظ في "التخليص": (١/ ١٤٩) وقال: "كذا قال! وتساهل في نقل الإجماع، فقد صححه البيهقي، وقال: إن أبا إسحاق قد بيَّن سماعه من الأسود في رواية زهير عنه ... وقال الدارقطني في "العلل": يُشبه أن يكون الخبران صحيحين ... ".
  2. (٢) (ص ١٨١ - ١٨٢).
  3. (٣) في الأصل: "يزيد" خطأ، فإن الحديث من رواية عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، وليس عبد الرحمن بن يزيد، كما في "التمييز" ومصادر الحديث.
  4. (٤) أما رواية إبراهيم النخعي فأخرجها مسلم (٣٠٥)، ورواية عبد الرحمن بن الأسود أخرجها أحمد (٢٦٣٤٢)، والدارمي (٧٥٧) بإسناد حسن.
138

عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي قيس، عن عائشة١، وبفتوى رسول الله ﷺ عُمرَ بذلك حين استفتاه٢.

وبعض المتأخرين من الفقهاء الذين لا يعتبرون الأسانيد ولا ينظرون الطرق يجمعون بينهما بالتأويل، فيقولون: لا يمس ماء للغسل. ولا يصح هذا. وفقهاء المحدثين وحُفَّاظهم على ما أعْلَمْتُك.

وأما الحديث الذي نسبه إلى رواية زهير عن أبي إسحاق فقال فيه: "وإن نام جُنُبًا توضأ" وحَكَى أن قومًا ادعوا فيه الخطأ والاختصار، ثم صحّحه هو، فإنما عنى بذلك أحمد بن محمد الأزدي٣، فهو الذي رواه بهذا اللفظ، وهو الذي ادعى فيه الاختصار. وروايته خطأ، ودعواه سهوٌ وغفلة. ورواية زهير عن أبي إسحاق كرواية الثوري وغيره عن أبي إسحاق في هذا المعنى، وحديث زهير أتمّ سياقةً.

وقد روى مسلم٤ الحديثَ بكماله في كتاب الصلاة، وقال فيه: "وإن لم يكن جنبًا توضأ للصلاة" وأسقط منه وهم أبي إسحاق، وهو قوله: "ثم ينام قبل أن يمسّ ماء" فأخطأ فيه بعضُ النَّقَلة فقال: "وإن نام جُنبًا توضأ للصلاة" فعَمَد ابنُ حزم إلى هذا الخطأ الحادث على زهير فصحَّحه، وقد

  1. (١) رواية عروة أخرجها البخاري (٢٨٨)، ورواية أبي سلمة بن عبد الرحمن أخرجها مسلم (٣٠٥/ ٢١)، ورواية عبد الله بن أبي قيس أخرجها مسلم (٣٠٧).
  2. (٢) أخرجها البخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٠٦).
  3. (٣) يعني الإمام الطحاوي في كتابه: "شرح معاني الآثار": (١/ ١٢٤، ١٢٥) من رواية زهير وسفيان.
  4. (٤) (٧٣٩).
139

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي