وفي روايةٍ لأبي داود: "وَاغْمِزي قُرونَكِ عند كلِّ حَفْنَةٍ"٢.
قال ابن القيم ﵀: حديث أم سلمة هذا يدل على أنه ليس على المرأة أن تنقض شعرها لغسل الجنابة، وهذا اتفاق من أهل العلم، إلا ما يُحكى عن عبد الله بن عَمرو وإبراهيم النخعي٣ أنهما قالا: تنقضه، ولا يُعلَم لهما موافق. وقد أنكرت عائشةُ على عبد الله قولَه، وقالت: "يا عجبا لابن عَمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أوَلا٤ يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن!؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ما أزيد أن أُفْرِغ على رأسي ثلاث إفراغات" رواه مسلم٥.
وأما نقضه في غُسل الحيض فالمنصوص عن أحمد أنها تنقضه فيه٦. قال مهنّا: سألت أحمدَ عن المرأة تنقض شعرَها [إذا اغتسلت من الجنابة؟ فقال: لا. فقلت له: في هذا شيء؟ قال: نعم، حديث أمّ سلمة. قلت: فتنقض شعرها] من الحيض؟ قال: نعم. قلت له: كيف تنقضه من الحيض ولا
(١) أخرجه أبو داود (٢٥١)، ومسلم (٣٣٠)، والترمذي (١٠٥)، والنسائي (٢٤١)، وابن ماجه (٦٠٣).
(٢) (٢٥٢).
(٣) أثر عبد الله بن عمرو أخرجه مسلم (٣٣١)، والبيهقي في "الكبرى": (١/ ١٩٦)، وأثر النخعي أخرجه ابن أبي شيبة (٧٩٩).
(٤) في الأصل: "ولا"، والمثبت من (ش) و"صحيح مسلم".
(٥) (٣٣١).
(٦) ونص عليه في رواية أبي داود (ص ٢٩).
تنقضه من الجنابة؟ فقال: حدثت أسماء عن النبي ﷺ أنه قال: "تنقضه"١.
فاختلف أصحابُه في نصِّه هذا؛ فحملَتْه طائفةٌ منهم على الاستحباب، وهو قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة. وأجرَتْه طائفة على ظاهره، وهو قول الحسن وطاوس. وهو الصحيح، لِمَا احتجَّ به أحمد من حديث عائشة: "أن أسماء سألت النبيَّ ﷺ عن غُسل المحيض؟ فقال: "تأخذ إحداكنّ ماءها وسدرها فتطهَّر، فتحسن الطهور، ثم تصبُّ على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤونَ رأسِها" الحديث. رواه مسلم٢.
وهذا دليل على أنه لا يُكتفَى فيه بمجرّد إفاضة الماء كغسل الجنابة، ولا سيما فإن في الحديث نفسه: وسألته عن غُسل الجنابة فقال: "تأخذ ماء فتطهّر٣ فتحسن الطهور، أو تُبْلِغ الطهور، ثم تصبّ على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤونَ رأسِها. ثم تُفِيض عليها الماء"، ففرَّق بين غُسل الحيض والجنابة في هذا الحديث، وجعل غُسل الحيض آكد. ولهذا أمر فيه بالسدر المتضمِّن لنقضه.
(١) ذكر الرواية في "المغني": (١/ ٢٩٨)، وابن تيمية في "شرح العمدة": (١/ ٤٠٤، ٤٠٦) وما بين المعكوفين منهما. ووقع في "المغني": "لا تنقضه" وهو خطأ، وقد علّق ابن تيمية على كلمة "تنقضه" بقوله: "وإن لم تكن هذه اللفظة فيه (أي في حديث أسماء) والسياق الذي ذكرناه في المسألة قبل هذه، لكن فيه ذِكْر السدر، والسدر إنما يستعمل مع نقضٍ".
(٢) (٣٣٢).
(٣) كتب بعده في الأصل: "به" ثم ضرب عليه، وليس هو في "صحيح مسلم"، ولا في نسختي (ش، ن)، ولم ينتبه محققا الطبعتين فأثبتاه.