وكذلك رواه عَمرو الناقد، عن يزيد بن هارون، عن الثوري، عن أيوب بن موسى. ورواه عَبْد بن حُميد، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن أيوب، وقال: "أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ "٢.
قال مسلم٣: وحدثنيه أحمد الدارمي، أخبرنا زكريا بن عدي، أخبرنا٤ يزيد يعني ابنَ زُرَيع، عن رَوْح بن القاسم، قال: حدثنا أيوب بهذا الإسناد وقال: "أَفأحُلّه وأغسله من الجنابة؟ " ولم يذكر "الحيضة". فقد اتفق ابنُ عيينة ورَوحُ بن القاسم عن أيوب، فاقتصرا على الجنابة.
واخْتُلِفَ فيه على الثوري، فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابنُ عيينة ورَوح، وقال عبد الرزاق عنه: "أفأنقضه للحيضة والجنابة". وروايةُ الجماعة أولى بالصواب، فلو أن الثوريّ لم يُخْتَلَف عليه لترجَّحت رواية ابن عيينة ورَوْح، [ق ٣١] فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة؟! ومن أعطى النظرَ حقَّه عَلِم أن هذه اللفظة ليست محفوظة في الحديث.
وأما حديث عائشة: "أنها كانت تُفرغ على رأسها ثلاث إفراغات"٥ فإنما ذلك في غُسل الجنابة، كما يدلُّ عليه سياق حديثها، فإنها وصفت
(١) (٣٣٠).
(٢) رواية يزيد بن هارون عن الثوري أخرجها أحمد (٢٦٦٧٧). ورواية عبد الرزاق عن الثوري في "المصنف": (١/ ٢٧٢).
(٣) (٣٣٠).
(٤) في (ش) و"الصحيح": "حدثنا".
(٥) تقدم تخريجه.
غُسلها مع رسول الله ﷺ وإنما كانت تغتسل معه من الجنابة التي يشتركان فيها، لا من الحيض، فإن رسول الله ﷺ لم يكن يغتسل معها من الحيض. وهذا بيِّن.
وأما حديث أم سلمة الذي ذكره أبو داود وفيه: "واغمزي قرونك" فإنما هو في غُسل الجنابة. وعنه وقع السؤال كما هو مصرَّح به في الحديث.
فإن قيل: فحديث عائشة الذي استدللتم به ليس فيه أمرها بالغسل، إنما أمرها بالامتشاط، ولو سلمنا أنه أمرها بالغُسل فذاك غُسل الإحرام لا غسل الحيض، والمقصود منه التنظُّف وإزالة الوَسَخ، ولهذا تؤمر به الحائض حال حَدَثها. ولو سلمنا أنه أَمَر الحائضَ بالنقض وجب حملُه على الاستحباب جمعًا بين الحديثين، وهو أولى من إلغاء أحدهما والمصير إلى الترجيح.
فالجواب: أما قولكم ليس فيه أمْرُها بالغسل ففاسد، فإنه قال: "خذي ماءَك وسِدْرَك" وهذا صريح في الغسل، وقوله: "انقضي رأسك وامتشطي" أمرٌ لها في غسلها بنقض رأسها لا أمر بمجرَّد النقض والامتشاط. وأما قولكم: إنه كان في غسل الإحرام فصحيح، وقد بينَّا أن غُسل الحيض آكد الأغسال، وأَمَر فيه النبيُّ ﷺ بما لم يأمر به في سواه من زيادة التطهُّر والمبالغة فيه، فأَمْرُها بنقضِه ــ وهو غير رافعٍ لحَدَث الحيض ــ تنبيهٌ١ على وجوب نقضه إذا كان رافعًا لحدَثِه بطريق الأولى.
وأما قولكم: إنه يُحْمَل على الاستحباب جمعًا بين الحديثين، فهذا إنما يكون عند ثبوت تلك الزيادة التي تنفي النقضَ للحيض، وقد تبين أنها غير