تهذيب السنن

ثم دخل عليه بعدُ وجرى بينهما ما جرى. ومعلومٌ أن معاوية إنما قَدِمها حاجًّا قَدْمته الأولى في خلافته سنة أربع وأربعين.

وفي «تاريخ البخاري»١ بإسناده عن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن مروان بن الحكم أرسل إلى أبي قتادة وهو على المدينة: أنِ اغْدُ معي حتى تريني مواقف النبيِّ ﷺ وأصحابِه، فانطلق مع مروان حتى قضى حاجته٢.

ومروان إنما ولي المدينة في أيام معاوية، ثم نُزِع عنها سنة ثمان وأربعين، واسْتُعْمِل عليها سعيد بن العاص، ثم نُزِع سعيد بن العاص سنة أربع وخمسين، وأُمِّر عليها مروان»٣.

قال النسائي في «سننه»٤: أخبرنا محمد بن رافع، حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا ابن جُريج، قال: سمعت نافعًا يزعم: أنّ ابنَ عمر صلّى على تسع جنائز جميعًا، فجعل الرجال يلون الإمام، والنساء يلين القِبْلة، فصفَّهن صفًّا واحدًا، ووُضِعت جنازةُ أمِّ كلثوم ابنةِ عليّ امرأةِ عمر بن الخطاب وابنٍ لها يقال له: زيد، وُضِعا جميعًا، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عباس٥، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وأبو قتادة، فوُضِعَ الغلامُ مما يلي الإمام،

  1. (١) «الكبير»: (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
  2. (٢) انتهى كلام البخاري.
  3. (٣) انتهى النقل من كتاب «المعرفة» للبيهقي.
  4. (٤) في «الصغرى» (١٩٧٨). وفي «الكبرى» (٢١١٦).
  5. (٥) هكذا في الأصل و(ش) و«رفع اليدين» للمؤلف، و«الكبرى». ووقع في «السنن الصغرى»: «ابن عمر» فالظاهر أنه وهم.
194

فقال رجل: فأنكرتُ ذلك فنظرتُ إلى ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي قتادة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة.

فتأمل سندَ هذا الحديث وصحّتَه وشهادةَ نافعٍ بشهود أبي قتادة هذه الجنازة، والأميرُ يومئذ سعيد بن العاص، وإنما كانت إمْرَتُه في خلافة معاوية سنة ثمان وأربعين إلى سنة أربع وخمسين كما قدمناه، وهذا مما لا يشكّ فيه عوامُّ أهلِ النقل وخاصَّتُهم.

فإن قيل: فما تصنعون بما رواه موسى بن عبد الله بن يزيد: «أن عليًّا صلى على أبي قتادة، فكبَّر عليه سبعًا، وكان بدريًّا»١. وبما رواه الشعبيّ قال: «صلى عليٌّ على أبي قتادة وكبّر عليه ستًّا»٢.

قلنا: لا تجوز معارضةُ الأحاديث الصحيحة المعلومة الصحَّة بروايات التاريخ المنقطعة المغلوطة، وقد خطَّأ الأئمةُ روايةَ موسى هذه ومَن تابعه، وقالوا: هي غلط، قاله البيهقي٣ وغيره. ويدلّ على أنها غلط وجوه:

أحدها: ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة المصرِّحة بتأخير وفاته وبقاء مُدَّته بعد موت عليّ.

الثاني: أنه قال: «كان بدريًّا»، وأبو قتادة لا يُعرَف أنه شهد بدرًا، وقد ذكر

  1. (١) أخرجه ابن أبي شيبة (١١٥٧٨)، وابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٤٣٣).
  2. (٢) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط»: (٥/ ٤٣٣).
  3. (٣) في «المعرفة»: (١/ ٥٥٨). وانظر «البدر المنير»: (٥/ ٢٦١ - ٢٦٢). وقال الحافظ في «التلخيص»: (٢/ ١٢٧) تعليقًا على كلام البيهقي: «وهذه علة غير قادحة لأنه قد قيل: إن أبا قتادة قد مات في خلافة عليّ، وهذا هو الراجح».
195

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي