تهذيب السنن

سِنّه عن ذلك لم يمتنع [ق ٤٠] أن يكون صبيًّا مميّزًا، وقد شاهد هذه القصَّةَ في صغره ثم أداها بعد بلوغه، وذلك لا يقدح في روايته وتحمُّله اتفاقًا، وهو أُسْوةُ أمثاله في ذلك. فردُّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذه الخيالات الفاسدة مما يَرْغَب عن مثله أئمةُ العلم، والله الموفق.

وأما إدخال من أدْخَل بين محمد بن عَمرو بن عطاء، وبين أبي حُميد الساعدي رجلًا، فإن ذلك لا يضرّ الحديثَ شيئًا. فإنّ الذي فعل ذلك رجلان: عطَّاف بن خالد، وعيسى بن عبد الله١؛ فأما عطَّافٌ فلم يرض أصحابُ الصحيح إخراجَ حديثهِ، ولا هو ممن يُعارَض به الثقات الأثبات، قال مالك: ليس هو من جِمال المحامل٢. وقد تابع عبدَالحميد بن جعفر على روايته محمدُ بن عَمرو بن حَلْحَلة، كلاهما قال: عن محمد بن عَمرو بن عطاء، عن أبي حميد. ولا يُقاوَم عَطّاف بن خالد بهذين حتى تُقدَّم روايتُه على روايتهما.

وقوله: «لم يصرِّح محمد بن عَمرو بن حَلْحَلة في حديثه بسماع ابن عطاء من أبي حميد»؛ فكلام بارد، فإنه قد قال: «سمع محمد بن عَمرو بن عطاء أنه كان جالسًا في نفرٍ من أصحاب النبيّ ﷺ، فذكروا صلاةَ النبيّ ﷺ،

  1. (١) انظر ما سبق (ص ١٨٩ - ١٩١) في سياق كلام ابن القطان.
  2. (٢) المنقول عن مالك في عطاف قوله: «ليس من إبل القِباب»، وإبل القباب هي الإبل القوية القادرة على حمل الهوادج. والمعنى: ليس بقويّ في الحديث. انظر «الضعفاء»: (٣/ ٤٢٥) للعقيلي، و«تهذيب الكمال»: (٥/ ١٨٢)، و«تهذيب التهذيب»: (٧/ ١٩٨) ــ وتحرفت فيه إلى «أهل القباب» ــ. فلعل ابن القيم ساقها بالمعنى، إذ معناهما واحد. وقد استُعملت عبارة «جمال المحامل» في غير واحد من الرواة، استعملها يحيى القطان وغيره. انظر «ألفاظ الجرح القليلة والنادرة» (ص ١٢) لسعدي الهاشمي.
198

فقال أبو حميد». وقد قال: «رأيتُ أبا حميد»، ومرة: «سمعتُ أبا حُميد». فما هذا التكلّف البارد والتعَنُّت الباطل في قطع ما وصله الله؟!

وأما حديث عيسى بن عبد الله فقال البيهقي١: «اختلف في اسمه فقيل: عيسى بن عبد الله، وقيل: عيسى بن عبد الرحمن، وقيل: عبد الله بن عيسى.

ثم اخْتُلف عليه في ذلك؛ فروى عن الحسن بن الحرّ، عن عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عَمرو، عن عيّاش ــ أو عباس ــ بن سهل، عن أبي حُميد. ورُوي عن عُتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العباس ابن سهل، عن أبي حُميد. ليس فيه محمد بن عطاء٢.

ورُوِّينا حديثَ أبي حُميد، عن فُليح بن سليمان، عن عبّاس بن سهل، عن أبي حميد. وبَيَّن فيه عبدُ الله بن المبارك، عن فُليح سماعَ عيسى من٣ عبّاس، مع سماع فُلَيح من عبّاس، فذِكْرُ محمد بن عَمرو بينهما وَهْم». آخر كلامه.

وهذا ــ والله أعلم ــ من تَخْليط عيسى أو مَن دونه، فإنّ حديثَ عبّاس هذا لا ذِكْر فيه لمحمد بن عَمرو، ولا رواه محمد بن عَمرو عنه، ونحن نذكر حديثه:

  1. (١) في «معرفة السنن والآثار»: (١/ ٥٦٠).
  2. (٢) «المعرفة»: «محمد بن عمرو».
  3. (٣) تحرفت في (ش) و«المعرفة» إلى «بن».
199

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي