تهذيب السنن

[ق ٤٣] قال ابن القيم ﵀: وقد أعلَّ البيهقيُّ١ هذا الحديث بابن أُكيمة، وقال: تفرَّد به وهو مجهول، ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يحدِّث سعيدَ بن المسيب. واختلفوا في اسمه، فقيل: عمارة، وقيل: عمّار، قاله البخاري.

وقوله: «فانتهى الناس عن القراءة» من قول الزهري، قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب «الزُّهريات»، والبخاري، وأبو داود٢. واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي، حين ميَّزه من الحديث، وجعله من قول الزهري. قال: وكيف يكون ذلك من قول أبي هريرة وهو يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جَهَر فيه وفيما خافت؟!

وقال غيره: هذا التعليل ضعيف، فإن ابن أُكَيمة من التابعين وقد حدَّث بهذا الحديث ولم ينكره عليه أعلمُ الناس بأبي هريرة وهو سعيد بن المسيب، ولا يُعلَم أحدٌ قدحَ فيه ولا جرحَه بما يوجبُ ترك حديثه، ومثل هذا أقلّ درجات حديثه أن يكون حسنًا. كما قال الترمذي٣.

وقوله: «فانتهى الناس» وإن كان الزهري قاله فقد رواه مَعْمَر، عن

  1. (١) . في «الكبرى»: (٢/ ١٥٨)، و«معرفة السنن»: (٢/ ٤٧ - ٤٨)، و«القراءة خلف الإمام» (ص ١٤٢) ونقل تعليله عن الحميدي وابن خزيمة.
  2. (٢) . ينظر «القراءة خلف الإمام» (ص ١٦٢) للبخاري و«التاريخ الكبير»: (٩/ ٣٨) له، و«السنن» (٨٢٧) لأبي داود، و«البدر المنير»: (٣/ ٥٤٦ - ٥٤٧).
  3. (٣) . وقد صحح حديثه أبو حاتم الرازي وابن حبان، وروى عنه ثقتان وأخرج له مالك، ولم يتفرد عن الزهري، وكان يحدِّث في مجلس سعيد بن المسيب وهو يصغي إلى حديثه. ينظر «البدر المنير»: (٣/ ٥٤٤ - ٥٤٧).
214

الزهري قول أبي هريرة، وأيُّ تنافٍ بين الأمرين؟ بل كلاهما صواب، قاله أبو هريرة كما قال معمر، وقاله الزهري كما قال هؤلاء، وقاله معمر أيضًا كما قال أبو داود. فلو كان قول الزهري له علَّة في قول أبي هريرة لكان قول معمر له علة في قول الزهري، وأن نجعل ذلك كلام معمر.

وقوله: «كيف يصحّ ذلك عن أبي هريرة، وهو يأمر بالقراءة خلف الإمام؟» فالمحفوظ عن أبي هريرة أنه قال: «اقرأ بها في نفسك» وهذا مطلق ليس فيه بيان أن يقرأ بها حالَ الجهر. ولعله قال له يقرأ بها في السرِّ والسكتات، ولو كان عامًّا فهذا رأيٌ له خالفه فيه غيرُه من الصحابة، والأخذ بروايته أولى.

وقد روى الدارقطنيُّ والبيهقيُّ١ من حديث زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم ومكحول، عن نافع بن محمود: «أنه سمع عُبادة بن الصامت يقرأ بأمِّ القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فقلت: رأيتُك صنعتَ في صلاتك شيئًا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: سمعتُك تقرأ بأمّ القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة؟ قال: نعم، صلى بنا رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي يُجْهَر فيها بالقراءة، فلما انصرف قال: «هل منكم من أحدٍ يقرأ شيئًا من القرآن إذا جهرتُ بالقراءة؟» قلنا: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «وأنا أقول: مالي أُنازَع القرآن؟ لا يقرأنَّ أحدٌ منكم شيئًا من القرآن إذا جَهَرتُ بالقراءة، إلا بأم القرآن». قال الدارقطني: إسناده حسن ورجاله ثقات.

قال البيهقي٢: وزيد بن واقد ثقة، ومكحولٌ سمع هذا الحديث من

  1. (١) . الدارقطني (١٢٢٠)، والبيهقي: (٢/ ١٦٤).
  2. (٢) . في «معرفة السنن والآثار»: (٢/ ٥٣).
215

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي