وهذا الحديث هو في «الصحيحين»١ عن مصعب بن سعد قال: «صليتُ إلى جنب أبي، فجعلتُ يديَّ بين ركبتيَّ، فنهاني عن ذلك، فعدْتُ، فقال: لا تصنع هذا، فإنَّا كنّا نفعله فنُهِينا عن ذلك، وأُمِرْنا أن نضع أيدينا على الرُّكَب». فهذا هو المعروف عن سعد أن المنسوخ هو قصة التطبيق ووضع الأيدي على الرُّكَب، ولعلَّ بعض الرواة غلط فيه من وضع اليدين على الركبتين إلى وضع اليدين قبل الركبتين.
قال ابن المنذر٢: وقد اختلف أهلُ العلم في هذا الباب، فممن رأى أن يضعَ ركبتيه قبل يديه: عمرُ بن الخطاب، وبه قال النخعي، ومسلم بن يسار، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة وأصحابه، وأهل الكوفة. وقالت طائفة: يضع يديه قبل ركبتيه، قاله مالك. وقال الأوزاعيُّ: أدركتُ الناسَ يضعون أيدِيَهم قبل رُكَبهم، ورُوِي عن ابن عمر فيه حديث.
أما حديث سعد ففي إسناده مقال٣، ولو كان محفوظًا لدلَّ على النَّسْخ، غير أن المحفوظ عن مصعب، عن أبيه حديث نسخ التطبيق.
وقد روى الدارقطني٤ من حديث حفص بن غِياث عن عاصم الأحول، عن أنس قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ ... انحطَّ بالتكبير، فسبقت ركبتاه يديه.
وروى البيهقيُّ٥ من حديث إبراهيم بن موسى، عن محمد بن فُضَيل،
(١) . البخاري (٧٩٠)، ومسلم (٥٣٥).
(٢) . في «الأوسط»: (٣/ ١٦٤ - ١٦٥).
(٣) . تقدم ذكره.
(٤) . (١٣٠٨).
(٥) . (٢/ ١٠٠).
عن عبد الله بن سعيد، عن جَدّه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا سجد أحدُكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرُك بروكَ الجَمَل». قال البيهقي: وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن فُضَيل، إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف.
قلت: قال أحمد والبخاري: متروك١. وهذا الحديث الذي أشار إليه الترمذي٢، وهو خلاف حديث الأعرج عنه.
وقد روى ابنُ خزيمة في «صحيحه»٣ من حديث يحيى بن سلمة بن كُهَيل، عن أبيه، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأُمِرنا بالركبتين قبل اليدين» وهذا الحديث مداره على يحيى بن سلمة بن كُهَيل٤، وقد قال النسائي: ليس بثقة، وقال البخاري: في أحاديثه مناكير. قال البيهقي٥: المحفوظ عن مصعب بن سعد، عن أبيه نسخ التطبيق، وإسناد هذه الرواية ضعيف، وكذلك قال الحازميُّ٦ وغيره.
والراجحُ البداءةُ بالركبتين لوجوه:
أحدها: أن حديث وائل بن حُجْر لم يُخْتَلف عليه، وحديث أبي هريرة