الأحاديث [ق ٤٥] فيها، وغلط مَن ظنَّ أن التخفيف الوارد فيها هو التخفيف الذي اعتاده سُرَّاق الصلاة والنقَّارون لها:
ففي «الصحيحين»١ عن البراء بن عازب قال: «رمقتُ الصلاةَ مع محمد ﷺ، فوجدتُ قيامَه فركعتَه فاعتدالَه بعد ركوعه، فسَجْدَته فجلسته بين السجدتين، فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء» لفظ مسلم.
وفي «صحيح مسلم»٢ أيضًا: عن شعبة، عن الحكم قال: غَلَب على الكوفة رجلٌ قد سماه زمنَ ابنِ الأشعث، فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصليَ بالناس، فكان يصلي، فإذا رفع رأسَه من الركوع قام قدرَ ما أقول: «اللهم ربنا لك الحمد، مِلءَ السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيءٍ بعد، أهلَ الثناء والمجد، لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجَدُّ». قال الحَكَم: فذكرتُ ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى فقال: سمعتُ البراءَ بنَ عازب يقول: كانت صلاةُ رسول الله ﷺ وركوعُه، وإذا رفعَ رأسَه من الركوع، وسجودُه، وما بين السجدتين قريبًا من السواء.
وروى البخاريُّ٣ هذا الحديث وقال فيه: «ما خلا القيامَ والقعودَ، قريبًا من السواء». ولا شكّ أن القيامَ: قيامَ القراءة، وقعودَ التشهُّد يزيدان في الطول على بقية الأركان. ولما كان ﷺ يوجز القيامَ ويستوفي بقيةَ الأركان صارت صلاتُه قريبًا من السواء. فكلُّ واحدةٍ من الروايتين تُصَدِّق الأخرى.
(١) . أخرجه البخاري (٧٩٢)، ومسلم (٤٧١/ ١٩٣).
(٢) . (٤٧١/ ١٩٤).
(٣) . (٧٩٢).
والبراءُ تارةً قرَّب ولم يحدِّد، فلم يذكر القيامَ والقعودَ، وتارةً استثنى وحدَّد، فاحتاج إلى ذِكْر القيام والقعود.
وقد غلط بعضُهم حيث فهم من استثناء القيام والقعود أنه استثنى القيام من الركوع والقعود بين السجدتين، فإنه كان يُخَفّفهما فلم يكونا قريبًا من بقية الأركان، فإنهما ركنان قصيران. وهذا من سوء الفهم، فإن سياق الحديث يُبْطِله، فإنه قد ذكر هذين الركنين بأعيانهما، فكيف يذكرهما مع بقية الأركان، ويخبر عنهما بأنهما مساويان لها، ثم يستثنيهما منها؟ وهل هذا إلا بمنزلة قول القائل: قام زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيدًا وعَمْرًا؟! وقد ثبت تطويل هذين الركنين عن النبي ﷺ في عدَّة أحاديث صحيحة صريحة، أحدها هذا.
وقد استدلَّ البراءُ بن عازب على إصابة أبي عبيدة في تطويله ركن الاعتدال من الركوع بقوله: «كانت صلاةُ رسول الله ﷺ، وركوعُه، وإذا رفعَ رأسه، وسجودُه، وما بين السجدتين قريبًا من السواء». ولو كان النبي ﷺ يخفِّف هذين الركنين لأنكر البراءُ صلاةَ أبي عبيدة، ولم يرو عن رسول الله ﷺ ما يتضمَّن تصويبَه.
ومنها: ما رواه مسلم في «صحيحه»١ من حديث حماد بن سلمة: أخبرنا ثابت، عن أنس قال: «ما صليتُ خلفَ أحدٍ أوجزَ صلاةً من رسول الله ﷺ في تمام، كانت صلاةُ رسول الله ﷺ متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر مدَّ في صلاة الفجر. وكان رسول الله ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قامَ حتى نقول: قد أَوْهَم، ثم يسجدُ ويقعُد بين