تهذيب السنن

السجدتين حتى نقول: قد أوهم».

رواه مسلم بهذا اللفظ. ورواه أبو داود١ من حديث حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت وحُميد، عن أنس قال: «ما صليتُ خلفَ رجلٍ أوْجَزَ صلاةً من رسول الله ﷺ في تمام، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يكبِّر، ثم يسجد، وكان يقعُدُ بين السجدتين حتى نقولَ: قد أوهم».

فجمع أنسٌ ﵁ في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار عن إيجاز رسول الله ﷺ الصلاةَ وإتمامها، وأنّ من إتمامها إطالة الاعتدالين جدًّا، كما أخبر به. وقد أخبر أنه ما رأى أوجزَ صلاةً منها ولا أتمّ، فيشبه ــ والله أعلم ــ أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمام إلى الركوع والسجود ورُكني الاعتدال، فبهذا تصير الصلاةُ تامَّةً موجزة، فيصدق قوله: «ما رأيتُ أوْجَزَ منها ولا أتمّ». ويطابق هذا حديثَ البراء المتقدِّم.

وأحاديثُ أنسٍ كلُّها تدلّ على أن النبي ﷺ كان يطيل الركوعَ والسجودَ والاعتدالين زيادةً على ما يفعله أكثرُ الأئمة ويعتادونه. وروايات «الصحيحين» تدلُّ على ذلك؛ ففي «الصحيحين»٢ عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: «إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا. قال ثابت فكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفعَ رأسَه من الركوع انتصبَ قائمًا، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسَه في السجدة مكَثَ حتى يقول القائل: قد نسي». وفي لفظ: «وإذا رفع رأسه بين

  1. (١) . (٨٥٣).
  2. (٢) . البخاري (٨٢١)، ومسلم (٤٧٢).
227

السجدتين»١.

وفي رواية للبخاري٢ من حديث شعبة، عن ثابت: «كان أنس ينعتُ لنا صلاةَ رسول الله ﷺ، فكان يصلي، وإذا رفع رأسَه مِن الركوع قام حتى نقول: قد نسي».

وهذا يبيِّن أن إطالة ركني الاعتدال مما ضُيِّع من عهدِ ثابتٍ. ولهذا قال: «فكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تفعلونه». وهذا والله أعلم مما أنكره أنسٌ مما أحْدَث الناسُ في الصلاة حيث [ق ٤٦] قال: «ما أعلم شيئًا مما كان على عهد رسول الله ﷺ. قيل: ولا الصلاة؟ قال: أوليس قد أحدثتم فيها؟»٣. فقول ثابت: إنهم لم يكونوا يفعلون كفعل أنس: وقول أنس: «إنكم قد أحدثتم فيها» يبين لك أن تقصير هذين الركنين هو مما أُحْدِث فيها.

ومما يدلّ على أن السنة إطالتهما: «أن النبيَّ ﷺ كان يصلي بالليل، فقرأ البقرة والنساء وآل عمران، وركع نحوًا من قيامه، ورفع نحوًا من ركوعه، وسجد نحوًا من قيامه، وجلس نحوًا من سجوده» متفق عليه٤.

وفي «صحيح مسلم»٥ عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: «اللهم ربَّنا لك الحمدُ ملءُ السموات وملءُ الأرض وما

  1. (١) . هو لفظ البخاري بالرقم السالف، ومسلم (٤٧٣/ ١٩٦).
  2. (٢) . (٨٠٠).
  3. (٣) . أخرجه البخاري (٥٢٩) بنحوه، وأخرجه أحمد (١١٩٧٧)، والترمذي (٢٤٤٧) وغيرهم. وزاد في ط. الفقي في آخره: «ما أحدثتم».
  4. (٤) . أخرجه مسلم (٧٧٢)، ولم أجده في البخاري.
  5. (٥) . (٤٧٨).
228

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي