تهذيب السنن

أُطَوِّل فيها، فأسمع بكاءَ الصبيِّ فأتجوَّز فيها مخافَة أن أشقَّ على أُمِّه».

وأما ما رواه مسلم في «صحيحه»١ من حديث جابر بن سَمُرة: «أن النبيَّ ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا» فالمراد به ــ والله أعلم ــ أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفًا، يعني أنه كان يطيلُ قراءةَ الفجر ويخفِّف قراءةَ بقية الصلوات، لوجهين:

أحدهما: أن مسلمًا روى في «صحيحه»٢ عن سِماك بن حرب قال: سألتُ جابر بن سَمُرة عن صلاة النبي ﷺ؟ فقال: كان يخفِّف الصلاةَ ولا يصلي صلاةَ هؤلاء، قال: وأنبأني أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر [ق ٤٧] بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ونحوها. فجمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتخفيف وأنه كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق﴾.

الثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله ﷺ التي ما زال يصليها. ولم يذكر أحدٌ أنه نقص في آخر أمره من الصلاة، وقد أخبرَتْ أمُّ الفضل عن قراءته في المغرب بـ «المرسلات» في آخر الأمر، وأجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصَّل.

وأما قوله: «ولا يصلي صلاةَ هؤلاء» فيحتمل أمرين:

أحدهما: أنه لم يكن يحذف كحذفهم، بل يتمّ الصلاة.

والثاني: أنه لم يكن يطيل القراءةَ إطالتهم.

  1. (١) . (٤٥٨).
  2. (٢) . (٤٥٨/ ١٦٩). وقوله: «المجيد» في إحدى روايات الصحيح.
232

وفي «مسند أحمد» و«سنن النسائي»١ عن عبد الله بن عمر قال: «إن كان رسول الله ﷺ ليأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمّنا بالصافات». وهذا يدلُّ على أن الذي أَمَر به هو الذي فعَلَه، فإنه ﷺ أمرَ أصحابَه أن يصلوا مثلَ صلاته، ولهذا صلى على المنبر وقال: «إنما فعلت هذا لتأتمُّوا بي ولتعلموا صلاتي»٢. وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: «صلوا كما رأيتموني أصلي»٣.

وذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمَّى خفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، وطويلًا بالنسبة إلى ما هو أخفّ منه، فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعُرْف، لأنه ليس له عادة في العرف، كالقبض والحِرز والإحياء والاصطياد، حتى يُرْجَع فيه إليه، بل هو من العبادات التي يُرْجَع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع، كما يُرْجَع إليه في أصلها، ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاةُ الشرعية اختلافًا متباينًا لا ينضبط، ولكان لكلِّ أهل عصر ومصر ــ بل لأهل الدرب والسِّكّة، وكلّ محلّ وكل٤ طائفة ــ غَرَض وعُرْف وإرادة في مقدار الصلاة يخالف عُرْفَ غيرِهم، وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة، وجَعْل السنة تابعةً لأهواء

  1. (١) . أخرجه أحمد (٤٧٩٦)، والنسائي في «المجتبى» (٨٢٦) وفي «الكبرى» (٩٠٢). وأخرجه ابن خزيمة (١٦٠٦)، وابن حبان (١٨١٧). وفي إسناده الحارث بن عبد الرحمن القرشي صدوق، وبقية رجاله ثقات.
  2. (٢) . أخرجه مسلم (٥٤٤) من حديث سهل بن سعد ﵄.
  3. (٣) . أخرجه البخاري (٦٣١)، ومسلم (٦٧٤)، وليس في مسلم لفظ: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
  4. (٤) . الأصل و(ش، هـ) والمطبوعات: «فكل» ولعله ما أثبت.
233

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي