تهذيب السنن

وقد روى الإمام أحمد والنسائيُّ١ بإسنادٍ على شرط مسلم عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: «ما صليتُ وراءَ أحدٍ أشبَهَ صلاةً برسول الله ﷺ من فلان، قال سليمان: كان يُطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفِّف الأُخريين، ويخفِّف العصرَ، ويقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصَّل، ويقرأ في الصبح بطوالِ المفصّل».

وفي «الصحيحين»٢ عن أبي بَرْزة قال: «كان رسول الله ﷺ يُصلي الصبحَ فينصرفُ الرجلُ فيعرفُ جليسَه، وكان يقرأ في الركعتين ــ أو إحداهما ــ ما بين الستين إلى المائة» لفظ البخاري. وهذا يدلُّ على أمرين: شدة التغليس بها، وإطالتها.

فإن قيل: ما ذكرتموه من الأحاديث معارَض بما يدلُّ على نقيضه، وأن السنة هي التخفيف، فروى أبو داود في «سننه»٣ من حديث ابن وهب، أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العَمْياء، أن سهل بن أبي أُمامة حدَّثه «أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، في زمن عمر

  1. (١) . أحمد (٧٩٩١)، والنسائي في «المجتبى» (٩٨٢) وفي «الكبرى» (١٠٥٦).
  2. (٢) . البخاري (٧٧١)، ومسلم (٦٤٧).
  3. (٣) . (٤٩٠٤). وأخرجه أبو يعلى (٣٦٩٤) من طريق أحمد بن عيسى عن ابن وهب به. قال الهيثمي في «المجمع»: (٦/ ٢٥٩): رجاله رجال الصحيح غير ابن أبي العمياء، وهو ثقة. وصحح إسناده البوصيري في «الإتحاف»: (٥/ ٢٥٨). وقول الهيثمي عن ابن أبي العمياء: «ثقة» فيه نظر، فلم يوثقه غير ابن حبان. وقال الحافظ: «مقبول» أي حيث يُتابع.
    وللحديث متابعات وشواهد ضعيفة.
235

بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فإذا هو يصلي صلاةً خفيفةً كأنها صلاة مسافر أو قريبًا منها، فلما سلَّم قال [أبي]: يرحمُك الله، أرأيتَ هذه الصلاة المكتوبة، أم شيء تَنَفَّلْتَه؟ قال: إنها لَلْمَكتوبة، وإنها لَصلاة رسول الله ﷺ، [ما أخطأتُ إلا شيئًا سهوتُ عنه، إن رسول الله ﷺ]١ كان يقول: «لا تشدِّدوا على أنفسكم فيُشَدَّد عليكم، فإنّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم فشُدِّد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار. ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧]». وسهلُ بن أبي أُمامة وثَّقه يحيى بن معين وغيره، وروى له مسلم٢.

وفي «الصحيحين»٣ عن أنس قال: «كان النبي ﷺ يوجِزُ الصلاةَ [ق ٤٨] ويكمِّلها». وفي «الصحيحين»٤ أيضًا عنه قال: «ما صليتُ وراءَ إمامٍ قطّ أخفّ صلاةً ولا أتمّ من صلاة النبي ﷺ». زاد البخاريُّ: «وإن كان ليسمع بكاءَ الصبيِّ فيخفف، مخافة أن تفتتن أمُّه». وفي «سنن أبي داود»٥ عن رجل من جُهينة: «أنه سمع النبيَّ ﷺ يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسيَ رسولُ الله ﷺ أم عمدًا فَعَل ذلك». وفي «صحيح مسلم» عن جابر بن سَمُرة: أن النبيَّ ﷺ كان يقرأ في الظهر بـ ﴿اللَّيْلِإِذَا يَغْشَى﴾، وفي العصر نحو ذلك».

  1. (١) . ما بين المعقوفات مستدرك من «سنن أبي داود».
  2. (٢) . تنظر ترجمته في «تهذيب التهذيب»: (٤/ ٢٤٦).
  3. (٣) . البخاري (٧٠٦)، ومسلم (٤٦٩/ ١٨٩).
  4. (٤) . البخاري (٧٠٨)، ومسلم (٤٦٩/ ١٩٠).
  5. (٥) . (٨١٦)، وأخرجه البيهقي: (٢/ ٣٩٠). وإسناده صحيح.
236

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي