فهذه الأحاديثُ كلُّها تدلُّ على معنى واحد،١ أنه كان يطيل الركوعَ والسجودَ ويخفِّفُ القيامَ. وهذا بخلاف ما كان يفعله بعضُ الأمراء الذين أنكر الصحابةُ صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبي ﷺ يفعله غالبًا، وتخفيف الركوع والسجود والاعتدالين. ولهذا أنكر ثابتٌ عليهم تخفيف الاعتدالين، وقال: «كان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه»٢. وحديث ابن أبي العمياء إنما فيه أن صلاة أنس كانت خفيفة. وأنسٌ فقد وصف خِفَّة صلاة النبي ﷺ، وأنها أشبه شيء بصلاة عمر بن عبد العزيز مع تطويل الركوع والسجود والاعتدالين، وأحاديثُه لا تتناقض، والتخفيفُ أمرٌ نسبيٌّ إضافيّ، فعشر تسبيحات وعشرون آية أخفّ من مائة تسبيحة ومائتي آية، فأيُّ معارَضة في هذا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة؟!
وأما تخفيف النبيِّ ﷺ الصلاةَ عند بكاء الصبيّ، فلا يُعارِض [ق ٤٩] ما ثبت عنه من صفة صلاته، بل قد قال في الحديث نفسه: «إني أدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاءَ الصبيِّ فأتجَوَّز». فهذا تخفيفٌ لعارض، وهو من السنة، كما يخفف صلاة السفر وصلاة الخوف، وكلُّ ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض، كما ثبت عنه أنه قرأ في السَّفَر في العشاء بالتين والزيتون، وكذلك قراءته في الصبح بالمعوِّذَتَين٣، فإنه كان في السَّفَر، ولذلك رفع الله تعالى الجُنَاح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف.
(١) . زاد في ط. الفقي: «وهو»، والمعنى واضح بدونها.
(٢) . تقدم تخريجه.
(٣) . تقدم تخريجها.
والقصرُ قصران: قصرُ الأركان، وقصرُ العدد؛ فإن اجتمع السفر والخوف، اجتمع القصران، وإن انفرد السفرُ وحده شُرِع قصر العدد، وإن انفرد الخوفُ وحدَه، شُرِع قصر الأركان.
وبهذا يُعْلَم سرّ تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر، فإن القصر المطلق الذي يتناول القصرين إنما يُشْرَع عند الخوف والسفر، فإن انفرد أحدُهما بقي مطلق القصر، إما في العدد وإما في القَدْر. ولو قُدّر أنه ﷺ خفّفَ الصلاةَ لا لعذرٍ، كان في ذلك بيان الجواز، وأن الاقتصار على ذلك العذر ونحوه يكفي في أداء الواجب. فأما أن يكون هو السُّنَّة وغيره مكروه، مع أنه فِعْل النبي ﷺ في أغلب أوقاته فحاشى وكلّا، ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف، والذين رووا التخفيف رووه أيضًا، فلا تُضْرَب سنن رسول الله ﷺ بعضُها ببعض، بل يُستعمل كلٌّ منها في موضعه.
وتخفيفُه إما لبيان الجواز، وتطويله لبيان الأفضل، وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عَرَض ما يقتضي التخفيفَ، فيكون التخفيف في موضعه أفضل، والتطويل في موضعه أفضل، ففي الحالتين ما خرج عن الأفضل، وهذا اللائق بحاله ﷺ، وجزاه عنَّا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته، وهو اللائق بمن اقتدى به وائتمَّ به ﷺ.
وأما حديث معاذ فهو الذي فَتَن النقَّارين وسُرّاق الصلاة، لعدم علمهم بالقصة وسياقها؛ فإنّ معاذًا صلى مع النبيِّ ﷺ عشاء الآخرة، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء، فقرأ بهم بسورة١ البقرة. هكذا جاء في
(١) . كذا في الأصل و(ش، هـ)، وفي المطبوعات: «سورة» خلاف الأصل.