تهذيب السنن

رميمًا، فنقلوا حركةَ الميم إلى الراء قبلها، ثم أدغموا إحدى الميمين في الأخرى، وأبقوا تاء الخطاب على حالها، فصار «أرَمَّت». وهذا غلط، إنما يجوز إدغام مثل هذا إذا لم يكن آخر الفعل ملتزم السكون، لاتصال ضمير المتكلِّم والمخاطب ونون النسوة به، كقولك: «أرَمّ، وأرَمّا، وأرَمُّوا»، وأما إذا اتصل به ضمير يوجب سكونه لم يجز الإدغام لإفضائه إلى التقاء الساكِنَين على غير حَدِّهما، أو إلى تحريك آخره، وقد اتصل به ما يوجبُ سكونَه. ولهذا لا نقول: «أمَدّتُ، وأمَدّتَ، وأمَدّنَ» في «أمْدَدْتُ وأمْدَدْتَ وأمْدَدْنَ» لما ذُكر. وهؤلاء لما رأوا الفعل يُدغَم إذا لم يكن آخره ساكنًا، نحو «أرَمَّ» ظنوا أنه كذلك في «أرْمَمْت»، وغفلوا عن الفرق.

والصواب فيه: «أَرَمْت» بوزن «ضَرَبْت» فحذفوا إحدى الميمين تخفيفًا، وهي لغة فصيحة مشهورة جاء بها القرآن في قوله تعالى: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] وقوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] وأصله: ظلَلْت عليه وظلَلْتم تفكّهون، ونظائره كثيرة.

وأما الفريق الثاني الذين ضعَّفوه فقالوا: هذا حديثٌ معروف بحسين بن علي الجعفي، حدَّث به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، قالوا: ومن نظر ظاهر هذا الإسناد لم يَرْتَب في صحَّته، لثقة رواته وشهرتهم وقبول الأئمة أحاديثهم واحتجاجهم بها.

وحدَّث بهذا الحديث عن حسينٍ الجعفي جماعةٌ من النبلاء، قالوا: وعِلّته أن حسين بن علي الجعفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وعبدُ الرحمن بن يزيد بن تميم لا يُحتجُّ به، فلمّا حدَّث به حسين الجعفي غلط في اسم

255

الجدِّ، فقال: ابن جابر.

وقد بيَّن ذلك الحفّاظ ونبهوا عليه؛ قال البخاري في «التاريخ الكبير»١: «عبد الرحمن بن يزيد بن تميم السُّلَمي الشامي، عن مكحول، سمع منه الوليد بن مسلم، عنده مناكير، ويقال: هو الذي روى عنه أهلُ الكوفة: أبو أسامة وحسين فقالوا: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وابن تميم أصحّ.

وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم٢: سألت أبي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم؟ فقال: عنده مناكير، يقال: هو الذي روى عنه أبو أسامة وحسين الجُعْفي وقالا: هو ابن يزيد بن جابر، وغَلِطا في نسبه، ويزيد بن تميم أصحّ، وهو ضعيف الحديث.

وقال أبو بكر الخطيب٣: «روى الكوفيون أحاديثَ عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ووهموا في ذلك، والحَمْلُ عليهم في تلك الأحاديث. وقال موسى بن هارون الحافظ: روى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وكان ذلك وهمًا منه، هو لم يلق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما لقيَ عبدَ الرحمن بن يزيد بن تميم، فظنَّ أنه ابنُ جابر، وابن جابر ثقة، وابن تميم ضعيف».

  1. (١) . (٥/ ٣٦٥). وليس في المطبوع قوله: «وابن تميم أصحّ».
  2. (٢) . في «الجرح والتعديل»: (٥/ ٣٠٠).
  3. (٣) . في «تاريخ بغداد»: (١١/ ٤٧١ - ٤٧٢ - بشار) وبقية كلامه: «ولم يكن ابن تميم ثقة ... وأما ابن جابر فليس في حديثه منكر ...» ثم ذكر كلام موسى بن هارون.
256

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي