تهذيب السنن

يُؤخَذ منه إلا الزكاة لا غير، وجَعَل هذا الحديث منسوخًا، وقال: كان ذلك حين كانت العقوبات في المال ثم نُسِخت. هذا آخر كلامه.

ومَن قال: إن بَهْز بن حكيم ثقة احتاج إلى الاعتذار عن هذا الحديث بما تقدم. فأما من قال: لا يُحتجُّ بحديثه فلا يحتاج إلى شيء من ذلك. وقد قال الشافعي١ في بهز: ليس بحجة، فيحتمل أن يكون ظهر له ذلك منه بعد اعتذاره عن الحديث، أو أجاب عنه على تقدير الصحة. وقال أبو حاتم الرازي٢ في بهز بن حكيم: هو شيخ يُكْتَب حديثه ولا يحتجُّ به. وقال البستي٣: «كان يخطئ كثيرًا، فأما الإمام أحمد وإسحاق فهما يحتجَّان به ويرويان عنه، وترَكَه جماعةٌ من أئمتنا، ولولا حديثه: «إنَّا آخذوها وشطر إبله عَزْمة من عَزَمات ربنا» لأدخلناه في «الثقات»، وهو ممن أستخير الله [ق ٥٣] فيه». فجَعَل روايتَه لهذا الحديث مانعةً من إدخاله في «الثقات» تم كلامه. وقد قال علي ابن المديني: حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح. وقال الإمام أحمد: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح.

وليس لمن ردَّ هذا الحدث حجة، ودعوى نسخه دعوى باطلة، إذ هي دعوى ما لا دليل عليه، وفي ثبوت شرعية العقوبات المالية عدة أحاديث عن النبي ﷺ،لم يثبت نسخُها بحجَّةٍ، وعمل بها الخلفاءُ بعدَه٤.

  1. (١) . ينظر «تهذيب التهذيب»: (١/ ٤٩٨).
  2. (٢) . «الجرح والتعديل»: (٢/ ٤٣١).
  3. (٣) . يعني ابن حبان في «المجروحين»: (١/ ١٩٤).
  4. (٤) . عقد المؤلف فصلًا في التعزير بالعقوبات المالية في كتابه «الطرق الحكمية»: (٢/ ٦٨٨ - ٦٩٨). وانظر «زاد المعاد»: (٣/ ٩٩ و٥/ ٥٠).
266

وأما معارضته بحديث البراء في قصة ناقته، ففي غاية الضعف، فإن العقوبة إنما تسوغ إذا كان المعاقَب متعديًّا بمَنْع واجب أو ارتكاب محظور، وأما ما تولَّد من غير جنايته وقصده، فلا يسوِّغ أحدٌ عقوبته عليه، وقول من حَمَل ذلك على سبيل التوعّد دون الحقيقة في غاية الفساد، يُنَزَّه عن مثله كلام النبي ﷺ.

وقول مَن حَمَله على أخذ الشطر الباقي بعد التلَف باطل؛ لشدة منافرته وبُعْده عن مفهوم الكلام، ولقوله: «فإنَّا آخذوها وشطرَ ماله».

وقول الحربي: إنه «وشُطِرَ» بوزن شُغِل، في غاية الفساد، ولا يعرفه أحدٌ من أهل الحديث، بل هو من التصحيف.

وقول ابن حبان: لولا حديثه هذا لأدخلناه في «الثقات»، كلام ساقط جدًّا، فإنه إذا لم يكن لضعفه سببٌ إلا رواية هذا الحديث وهذا الحديث إنما ردَّه لضعفه، كان هذا دورًا باطلًا، وليس في روايته لهذا ما يوجب ضعفَه، فإنه لم يخالف فيه الثقات. وهذا نظير ردّ مَن ردّ حديث عبد الملك بن أبي سليمان، حديث جابر في شُفْعة الجوار١، وضعَّفه بكونه روى هذا

  1. (١) . وهو حديث: «الجارُ أحقّ بشُفْعَة جاره ...» أخرجه أبو داود (٣٥١٨)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي في «الكبرى» (٧٢٦٤)، وابن ماجه (٢٤٩٤)، وأحمد (١٤٢٥٣) من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر به. وقد تكلّم شعبةُ في عبد الملك بسبب هذا الحديث، وكذا الشافعي وأحمد ويحيى. وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك، تفرّد به، ويروى عن جابر خلاف هذا. وانظر كلام المؤلف في الجواب عن تعليله في كتابنا هذا (٢/ ٥٣٧)، وينظر أيضًا: «نصب الراية»: (٤/ ١٧٣ - ١٧٤)، و«تنقيح التحقيق»: (٤/ ١٧٥ - ١٧٦).
267

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي