وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي١ بنحوه٢. ورواه الزهري، عن السائب بن يزيد، عن حُوَيطب بن عبد العُزَّى، عن عبد الله بن السَّعْدي، عن عمر، فاجتمع في إسناده أربعة من الصحابة، وهو من الأحاديث التي جاءت كذلك. ووقع في حديث الليث بن سعد: «ابن الساعدي» كما قدمناه، وهو عبد الله بن السعدي، ولم يكن سعديًّا، وإنما قيل لأبيه: السعدي، لأنه كان مُسْتَرضَعًا في بني سعد بن بكر، وهو قرشيّ عامريّ مالكيّ، من بني مالك بن حِسْلٍ، واسم السعدي: عَمرو بن وَقْدان، وقيل: قُدامة بن وقدان. وأما الساعدي: فنسبة إلى بني ساعدة من الأنصار، من الخزرج، ولا وجه له ههنا، إلا أن يكون له نزول أو حِلْف أو خُؤولة، أو غير ذلك.
وقوله: «فعَمَّلَني» بفتح العين المهمة، وتشديد الميم وفتحها، أي: جعل لي العُمَالة، وهي أجرة العمل. وفيه جواز أخذ الأجرة على أعمال المسلمين وولاياتهم الدينية والدنيوية، قيل: وليس معنى الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم، واستشهد بقوله في بعض طرقه «يَتَموَّله» وقال: الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصدقة ما يتخذه مالًا، كان عن مسألة أو عن غير مسألة٣.
واختلف العلماء فيما أمر به النبيُّ ﷺ عمر من ذلك ــ بعد إجماعهم على أنه
(١) . أخرجه أبو داود (١٦٤٧)، والبخاري (٧١٦٤)، ومسلم (١٠٤٥)، والنسائي (٢٣٩٧).
(٢) . «بنحوه» من مخطوطة «المختصر».
(٣) . من قوله: «وقوله: فعَمَّلَني ...» إلى هنا، مكتوب في هامش مخطوطة «المختصر» (٣١ أ) وليس عليها علامة التصحيح، وهي في متن المطبوعة، وأشار المجرِّد أنها من كلام المنذري الذي علق عليه المؤلف.
أمْرُ نَدْبٍ وإرشاد ــ فقيل: هو ندب من النبي ﷺ لكلِّ مَن أُعطي عطيَّة، كانت من سلطان أو عامِّيّ، صالحًا كان أو فاسقًا، بعد أن يكون ممن تجوز عطيتُه. حكى ذلك غيرُ واحد. وقيل: ذلك مِن النبيِّ ﷺ نَدْب إلى قبول عطية غير١ السلطان، فأما السلطان، فبعضهم منعها، وبعضهم كرهها. وقال آخرون: ذلك ندبٌ لقبول هدية السلطان دون غيره، ورجَّح بعضُهم الأول، بأن النبيَّ ﷺ لم يخصّ٢ وجهًا من الوجوه. تم كلامه٣.
[قال ابن القيم ﵀]: وسياق الحديث إنما يدلُّ على عطية العامل على الصدقة، [ق ٥٤] فإنه يجوز له أخذ عَمالته وتَمَوّلها وإن كان غنيًّا، والحديث إنما سِيْقَ لذلك، وعليه خرج جوابُ النبي ﷺ، وليس المراد به العموم في كلِّ عطية مِن كلِّ معطٍ، والله أعلم.
٩٠/ ١٥٨٣ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر، وهو يذكر الصدقة والتعفُّف منها والمسألة: «اليدُ العُليا خيرٌ مِن اليد السُّفْلَى، واليدُ العليا المنفِقَة، والسُّفْلى السائلة».
(١) . في «الأصل»: «من غير» والمثبت من مخطوطة «المختصر».
(٢) . في مخطوطة «المختصر»: «لأن النبي ﵇ لم يخص».
(٣) . من قوله: «واختلف العلماء» إلى هنا نسبه المجرِّد إلى ابن القيم ثم كتب الناسخ فوق (قال): «ينظر من كلام الزكي»، وفوق (تم كلامه): «إلى هنا» يعني أن هذه الفقرة من كلام صاحب المختصر زكيّ الدين المنذري، وهذه الفقرة لا وجود لها في مطبوعة «المختصر»: (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، وهو موجود في مخطوطة «المختصر» (ق ٣٠ ب) معلقة في هامشها. ولم يتفطن في ط. الفقي إلى ذلك فساقه من كلام ابن القيم، وفي ط. المعارف ساقه من كلام ابن القيم ولم ينتبه لتعليق الناسخ، وإن ذكر في الهامش أن الكلام لعله للمنذري.