تهذيب السنن

وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي١ بهذا اللفظ: «اليدُ العُلْيا المنفقة، والسُّفْلى السائلة».

وقد ذكر أبو داود٢ عن أيوب: «العُليا المتعفِّفَة»، وروي عن الحسن البصري: «أن السُّفْلى الممسكة المانعة». وقد ذكر في حديث مالك بن نَضْلة الذي بعده: «أن الأيدي ثلاثة»٣. وذهبت المتصوفةُ إلى أن اليد العُليا هي الآخذة، لأنها نائبة عن يد الله تعالى، وما جاء في الحديث الصحيح من التفسير مع فهم المقصد مِن الحثِّ على الصدقة أولى. فعلى التأويل الأول هي عُليا بالصورة، وعلى الثاني عليا بالمعنى. وفي الحديث نَدْبٌ إلى التعفف عن المسألة، وحَضٌّ على معالي الأمور، وترك دَنِيّها، وفيه أيضًا حضٌّ على الصدقة.

قال أبو داود: اختُلف على أيوب عن نافع في هذا الحديث، قال عبد الوارث: «اليدُ العُليا المتعفّفة»، وقال أكثرهم عن حماد بن زيد عن أيوب: «اليدُ العُليا المنفقة» وقال غير٤ واحدٍ ــ يعني ــ عن حماد بن زيد: «المتعفِّفَة».

قال ابن القيم ﵀: وتفسير مَن فسَّر اليدَ العُليا بالآخِذَة، باطل قطعًا من وجوه:

أحدها: أن تفسير النبيِّ ﷺ لها بالمنفقة يدلُّ على بطلانه.

  1. (١) . أخرجه أبو داود (١٦٤٨)، والبخاري (١٤٢٩)، ومسلم (١٠٣٣)، والنسائي (٢٥٣٣).
  2. (٢) . ذكره عقب الحديث.
  3. (٣) . أخرجه أبو داود (١٦٤٩)، وأحمد (١٥٨٩٠)، وابن خزيمة (٢٤٤٠)، وابن حبان (٣٣٦٢).
  4. (٤) . «غير» ليست لا في مطبوعة «المختصر» ولا في المخطوطة وضبطها في المخطوط بالضم «واحدٌ». وهي مما ذكره المجرِّد من كلام المنذري.
274

الثاني: أنه ﷺ أخبر أنها خيرٌ مِن اليد السُّفْلى، ومعلومٌ بالضرورة أن العطاء خيرٌ وأفضل من الأخذ، فكيف تكون يد الآخذ أفضل مِن يد المعطي؟

الثالث: أن يَدَ المعطي أعلى من يد السائل حسًّا ومعنًى، وهذا معلوم بالضرورة.

الرابع: أن العطاء صفة كمال دالّ على الغِنَى والكرم والإحسان والمجد، والأخذ صفة نقصٍ، مَصْدره عن الفقر والحاجة، فكيف تُفَضَّل يدُ صاحبه على يدِ المعطي؟ هذا عكس الفطرة والحسِّ والشريعة، والله أعلم.

275

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي