تهذيب السنن

وأما قوله: «ولم يكن في شيء من ذلك هديٌ» فهو مُدرَج من كلام هشام، كما بيَّنه وكيعٌ وغيرُه عنه، حيث فَصَل كلامَ عائشة من كلام هشام، وأما ابن نُمَير وعَبْدة فأدرجاه في حديثها ولم يميِّزاه، والذي ميَّزه معه زيادةُ عِلْم، ولم يعارضه غيرُه، فابن نُمَير وعَبْدة لم [ق ٥٦] يقولا: «قالت عائشة: ولم يكن في شيء من ذلك هدي» بل أدرجاه وميَّزَه غيرُهما١.

وأما قول من قال: إنها أحرمت بحجٍّ ثم نوت فسخَه بعمرة، ثم رجعت إلى حجٍّ مفرد، فهو خلاف ما أخبرَتْ به عن نفسها، وخلاف ما دلَّ عليه قولُ النبيِّ ﷺ لها: «يسعُك طوافُك لحجِّك وعمرتك»٢، والنبيُّ ﷺ إنما أمرها أن تُهِلَّ بالحجِّ لمّا حاضت، كما أخبرت بذلك عن نفسها، وأمرها أن تدعَ العمرةَ وتهِلَّ بالحجِّ. وهذا كان بِسَرِف٣، قبل أن يأمر أصحابه بفسخ حَجِّهم إلى العمرة، فإنه إنما أمرهم بذلك على المروة.

وقوله: إنها أشارت بقولها: «فكنتُ فيمن أهلَّ بعمرة» إلى الوقت الذي نَوَت فيه الفسخ= في غاية الفساد، فإن صريح الحديث يشهد ببطلانه، فإنها قالت: «فكنتُ فيمن أهلَّ بعمرةٍ، فلما كان في بعض الطريق حضت» فهذا صريح في أنها حاضت بعد إهلالها بعمرة.

  1. (١) ينظر ما سبق في الحديث السالف (ص ٢٨٣ - ٢٨٤).
  2. (٢) أخرجه مسلم (١٢١١/ ١٣٢).
  3. (٣) سَرِف: بفتح السين وكسر الراء وآخره فاء، وادٍ كبير قريب من مكة على بعد ١٢ كيلًا، ويسمى الآن «النوارية» وفيه بنى النبي ﷺ بأم المؤمنين ميمونة، وتوفيت بعد ذلك به، وبه قبرها. ينظر «معجم البلدان»: (٣/ ٢١٢)، و«معالم مكة التاريخية» (ص ١٣٢ - ١٣٣) للبلادي. وانظر «صحيح البخاري» (٣٠٥ و١٧٨٨)، ومسلم (١٢١١/ ١٢٠).
288

ومَن تأمَّل أحاديثها علم أنها أحرمت أوّلًا بعمرة، ثم أدْخَلَتْ عليها الحجَّ فصارت قارنة، ثم اعتمرت من التنعيم عمرةً مستقلّة تطييبًا لقلبها.

وقد غَلِط في قصة عائشة من قال: إنها كانت مفردة، فإن عمرَتَها من التنعيم هي عمرة الإسلام الواجبة.

وغلط مَن قال: إنها كانت متمتِّعة، ثم فسخت المتعةَ إلى إفراد، وكأنّ عمرةَ التنعيم قضاءٌ لتلك العمرة.

وغلط مَن قال: إنها كانت قارِنةً، ولم يكن عليها دم ولا صوم، وأن ذلك إنما يجب على المتمتِّع. ومن تأمل أحاديثها علم ذلك، وتبيَّن له أن الصواب ما ذكرنا. والله أعلم.

٩٩/ ١٧٠٧ - وعنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حَجَّة الوداع، فأهْلَلْنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ: «مَن كان معه هديٌ فَلْيُهِلَّ بالحج مع العمرة، ثم لا يَحِلّ حتى يحلّ منهما جميعًا، فقدمت مكةَ وأنا حائض، فلم أطُف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال: انقضي رأسك وامتشطي، وأهلّي بالحجّ ودعي العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحجَّ أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكانَ عمرتك، قالت: فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حَلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر، بعد أن رجعوا من منًى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحجَّ والعمرةَ، فإنما طافوا طوافًا واحدًا».

وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي١.

  1. (١) أخرجه أبو داود (١٧٨١)، والبخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١/ ١١١)، والنسائي (٢٧٦٤).
    تنبيه: نقل المجرّد عبارة للمنذري وهي: (ولم تتمكن من فعلها للحيض) لم أجدها في «المختصر» المخطوط والمطبوع.
289

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي