تهذيب السنن

ومَن تأمَّل أحاديثها علم أنها أحرمت أوّلًا بعمرة، ثم أدْخَلَتْ عليها الحجَّ فصارت قارنة، ثم اعتمرت من التنعيم عمرةً مستقلّة تطييبًا لقلبها.

وقد غَلِط في قصة عائشة من قال: إنها كانت مفردة، فإن عمرَتَها من التنعيم هي عمرة الإسلام الواجبة.

وغلط مَن قال: إنها كانت متمتِّعة، ثم فسخت المتعةَ إلى إفراد، وكأنّ عمرةَ التنعيم قضاءٌ لتلك العمرة.

وغلط مَن قال: إنها كانت قارِنةً، ولم يكن عليها دم ولا صوم، وأن ذلك إنما يجب على المتمتِّع. ومن تأمل أحاديثها علم ذلك، وتبيَّن له أن الصواب ما ذكرنا. والله أعلم.

٩٩/ ١٧٠٧ - وعنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حَجَّة الوداع، فأهْلَلْنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ: «مَن كان معه هديٌ فَلْيُهِلَّ بالحج مع العمرة، ثم لا يَحِلّ حتى يحلّ منهما جميعًا، فقدمت مكةَ وأنا حائض، فلم أطُف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال: انقضي رأسك وامتشطي، وأهلّي بالحجّ ودعي العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحجَّ أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكانَ عمرتك، قالت: فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حَلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر، بعد أن رجعوا من منًى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحجَّ والعمرةَ، فإنما طافوا طوافًا واحدًا».

وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي١.

  1. (١) أخرجه أبو داود (١٧٨١)، والبخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١/ ١١١)، والنسائي (٢٧٦٤).
    تنبيه: نقل المجرّد عبارة للمنذري وهي: (ولم تتمكن من فعلها للحيض) لم أجدها في «المختصر» المخطوط والمطبوع.
289

قال ابن القيم ﵀: وقد احتجَّ به ابنُ حزم١ على أن المُحْرِم لا يحرُم عليه الامتشاط، ولم يأت بتحريمه نصٌّ، وحَمَله الأكثرون على امتشاطٍ رفيقٍ لا يقطع الشعر.

ومَن قال: كان بعد جمرة العقبة، فسياق الحديث يبطل قولَه.

ومَن قال: هو التمشُّط بالأصابع، فقد أبْعَدَ في التأويل.

ومَن قال: إنها أُمِرت بترك العمرة رأسًا، فقوله باطل لما تقدم، فإنها لو تركَتْها رأسًا لكان قضاؤها واجبًا، والنبيُّ ﷺ قد أخبرها أنه لا عمرة عليها، وأن طوافها يكفي عنهما.

وقوله: «أهلِّي بالحجّ» صريحٌ في أن إحرامها الأول كان بعمرة، كما أخبرَتْ به عن نفسها، وهو يُبطل قولَ مَن قال: كانت مفرِدَةً، فأُمِرَت باستدامة الإفراد.

وفي الحديث دليل على تعدُّد السعي على المتمتِّع، فإن قولها: «ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا مِن منى لحجِّهم» تريد به الطواف بين الصفا والمروة، ولهذا نفَتْه عن القارِنِين، ولو كان المراد به الطواف بالبيت لكان الجميع فيه سواء، فإن طواف الإفاضة لا يفترق فيه القارن والمتمتِّع.

وقد خالفها جابر في ذلك، ففي «صحيح مسلم»٢ عنه أنه قال: «لم يطف النبيُّ ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافَه اللأول».

  1. (١) في «المحلى»: (٧/ ١٧٨).
  2. (٢) (١٢١٥/ ١٤٠).
290

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي