تهذيب السنن

قال ابن القيم ﵀: وقد احتجَّ به ابنُ حزم١ على أن المُحْرِم لا يحرُم عليه الامتشاط، ولم يأت بتحريمه نصٌّ، وحَمَله الأكثرون على امتشاطٍ رفيقٍ لا يقطع الشعر.

ومَن قال: كان بعد جمرة العقبة، فسياق الحديث يبطل قولَه.

ومَن قال: هو التمشُّط بالأصابع، فقد أبْعَدَ في التأويل.

ومَن قال: إنها أُمِرت بترك العمرة رأسًا، فقوله باطل لما تقدم، فإنها لو تركَتْها رأسًا لكان قضاؤها واجبًا، والنبيُّ ﷺ قد أخبرها أنه لا عمرة عليها، وأن طوافها يكفي عنهما.

وقوله: «أهلِّي بالحجّ» صريحٌ في أن إحرامها الأول كان بعمرة، كما أخبرَتْ به عن نفسها، وهو يُبطل قولَ مَن قال: كانت مفرِدَةً، فأُمِرَت باستدامة الإفراد.

وفي الحديث دليل على تعدُّد السعي على المتمتِّع، فإن قولها: «ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا مِن منى لحجِّهم» تريد به الطواف بين الصفا والمروة، ولهذا نفَتْه عن القارِنِين، ولو كان المراد به الطواف بالبيت لكان الجميع فيه سواء، فإن طواف الإفاضة لا يفترق فيه القارن والمتمتِّع.

وقد خالفها جابر في ذلك، ففي «صحيح مسلم»٢ عنه أنه قال: «لم يطف النبيُّ ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافَه اللأول».

  1. (١) في «المحلى»: (٧/ ١٧٨).
  2. (٢) (١٢١٥/ ١٤٠).
290

وأخَذَ الإمام أحمد بحديث جابرٍ هذا في رواية ابنه عبد الله١، والمشهور عنه أنه لا بدّ من طوافَين على حديث عائشة، ولكن هذه اللفظة وهي «فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت» إلى آخره قد قيل: إنها مدرجة في الحديث من كلام عروة٢.

١٠٠/ ١٧١٠ - وعنها أن رسول الله ﷺ قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سُقْتُ الهديَ، قال محمد ــ وهو ابن يحيى الذُّهْلي ــ: أحسبه قال: ولحللتُ مع الذين أحلّوا مِن العمرة، قال: أراد أن يكون أمر الناس واحدًا».

وأخرجه البخاري بنحوه٣. وليس فيه «أراد أن يكون أمرُ الناسِ واحدًا».

قال بعضهم: إنه يدل على أن التمتع أفضل، إذ لا يتمنى ﷺ إلا ما هو أفضل. ويحتمل أن يريد بذلك الفسخ، كما ذكر في هذا الحديث وهو قوله ﷺ: «ولحللت مع الناس حين حلُّوا» أخرجه البخاري كذلك؛ أراد أن يطيّب قلوبهم بموافقته لهم، وكره ما ظهر منهم من إشفاقهم لمخالفتهم له في الحلّ٤.

  1. (١) (٢/ ٦٨٦)، وهي في رواية «إسحاق الكوسج» (٥/ ٢١٢٤)، ورجحها شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»: (٢٦/ ٢٦، ٣٨ - ٣٩)، و«شرح العمدة»: (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٦ - ط عالم الفوائد».
    وللروايات الأولى ينظر «التعليقة»: (٢/ ٦٣) لأبي يعلى، و«الفروع»: (٣/ ٥١٦)، و«الإنصاف»: (٤/ ٤٤).
  2. (٢) ينظر «التمهيد»: (١٩/ ٢٦٤)، و«مجموع الفتاوى»: (٢٦/ ٤١)، و«المغني»: (٥/ ٣٧٠). قال ابن عبد البر: «وأما قوله: «انقضي رأسك وامتشطي» فهذا لم يقله أحدٌ عن عائشة غير عروة لا القاسم ولا غيره» وقال: (٨/ ٢١٧): «هو غلط ووهم لم يُتابِع عروةَ على ذلك أحدٌ من أصحاب عائشة ...».
  3. (٣) أخرجه أبو داود (١٧٨٤)، والبخاري (٧٢٢٩)، ومسلم (١٢١١/ ١٣٠).
  4. (٤) تعليق المنذري ساقط من مطبوعة «المختصر»، وهوفي المخطوط (النسخة البريطانية). ونقل المجرّد طرفه الأخير من قوله: «أراد أن يطيب ...» إلخ وفيه تصرّف يسير عمّا في مخطوطة «المختصر».
291

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي