تهذيب السنن

وأخَذَ الإمام أحمد بحديث جابرٍ هذا في رواية ابنه عبد الله١، والمشهور عنه أنه لا بدّ من طوافَين على حديث عائشة، ولكن هذه اللفظة وهي «فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت» إلى آخره قد قيل: إنها مدرجة في الحديث من كلام عروة٢.

١٠٠/ ١٧١٠ - وعنها أن رسول الله ﷺ قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سُقْتُ الهديَ، قال محمد ــ وهو ابن يحيى الذُّهْلي ــ: أحسبه قال: ولحللتُ مع الذين أحلّوا مِن العمرة، قال: أراد أن يكون أمر الناس واحدًا».

وأخرجه البخاري بنحوه٣. وليس فيه «أراد أن يكون أمرُ الناسِ واحدًا».

قال بعضهم: إنه يدل على أن التمتع أفضل، إذ لا يتمنى ﷺ إلا ما هو أفضل. ويحتمل أن يريد بذلك الفسخ، كما ذكر في هذا الحديث وهو قوله ﷺ: «ولحللت مع الناس حين حلُّوا» أخرجه البخاري كذلك؛ أراد أن يطيّب قلوبهم بموافقته لهم، وكره ما ظهر منهم من إشفاقهم لمخالفتهم له في الحلّ٤.

  1. (١) (٢/ ٦٨٦)، وهي في رواية «إسحاق الكوسج» (٥/ ٢١٢٤)، ورجحها شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»: (٢٦/ ٢٦، ٣٨ - ٣٩)، و«شرح العمدة»: (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٦ - ط عالم الفوائد».
    وللروايات الأولى ينظر «التعليقة»: (٢/ ٦٣) لأبي يعلى، و«الفروع»: (٣/ ٥١٦)، و«الإنصاف»: (٤/ ٤٤).
  2. (٢) ينظر «التمهيد»: (١٩/ ٢٦٤)، و«مجموع الفتاوى»: (٢٦/ ٤١)، و«المغني»: (٥/ ٣٧٠). قال ابن عبد البر: «وأما قوله: «انقضي رأسك وامتشطي» فهذا لم يقله أحدٌ عن عائشة غير عروة لا القاسم ولا غيره» وقال: (٨/ ٢١٧): «هو غلط ووهم لم يُتابِع عروةَ على ذلك أحدٌ من أصحاب عائشة ...».
  3. (٣) أخرجه أبو داود (١٧٨٤)، والبخاري (٧٢٢٩)، ومسلم (١٢١١/ ١٣٠).
  4. (٤) تعليق المنذري ساقط من مطبوعة «المختصر»، وهوفي المخطوط (النسخة البريطانية). ونقل المجرّد طرفه الأخير من قوله: «أراد أن يطيب ...» إلخ وفيه تصرّف يسير عمّا في مخطوطة «المختصر».
291

قال ابن القيم ﵀: والصوابُ أن ما أحرم به ﷺ،كان أفضل، وهو القِران، ولكن أخبر أنه لو استقبل مِن أمره ما استدبر لأحرم بعمرة، وكان حينئذٍ موافقةً لهم في المفضول، تأليفًا لهم وتطييبًا لقلوبهم، كما ترك بناءَ الكعبة على قواعد إبراهيم، وإدخال الحِجْر فيها، وإلصاق بابها بالأرض، تأليفًا لقلوب الصحابة الحديثي العهد بالإسلام، خشيةً أن تنفر قلوبُهم.

وعلى هذا فيكون الله تعالى قد جمع له الأمرين: النُّسُك الأفضل الذي أحرم به، وموافقته لأصحابه بقوله: «لو استقبلت» فهذا بفعله، وهذا بتبيينه١ وقوله، وهذا الألْيَق بحاله صلوات الله وسلامه عليه.

١٠١/ ١٧١٣ - وعن عطاء بن أبي رَباح قال: حدثني جابر بن عبد الله قال: «أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج خالصًا، لا يُخالطه شيء، فقدمنا مكة لأربع ليالٍ خَلَوْنَ من ذي الحجة، فطُفنا وسعينا، ثم أمرَنا رسولُ الله ﷺ أن نَحلّ، وقال: لولا هَدْيِي لحللتُ، ثم قام سُراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، أرأيتَ مُتْعتَنا هذه، لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال رسول الله ﷺ: بل هي للأبد».

وأخرجه البخاريُّ ومسلم والنسائيُّ وابن ماجه٢.

  1. (١) كذا في الأصل و(ش، هـ)، وفي ط. الفقي: «بنيته»، ولعلها أقرب؛ لأن تبيينه هو فعله، والنية والقول هو ما يدل عليه قوله: «لو استقبلت ...»، ويؤيده ما في «بدائع الفوائد»: (٣/ ١١٧١) للمؤلف وفيه: «... وعلى هذا فيكون الله تعالى قد اختار له أفضل الأنساك بفعله وأعطاه ما تمناه من موافقة أصحابه وتآلف قلوبهم بنيته ومناه فجمع له بين الأمرين».
  2. (٢) أخرجه أبو داود (١٧٨٧)، والبخاري (٢٥٠٥)، ومسلم (١٢١٦)، والنسائي في الكبرى (٣٧٧٣)، وابن ماجه (٢٩٨٠).
292

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي