المشركين مشروع أبدًا، كالوقوف بعرفة لقريش١ وغيرهم، والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس.
الثامن: أن هذا الفسخ وقع في آخر حياة النبيِّ ﷺ، ولم يجئ عنه كلمة قطُّ تدلّ على نسخِه وإبطاله، ولم تُجمع الأمة بعده على ذلك، بل منهم مَن يوجبه، كقول حَبْر الأمة وعالمها عبدِ الله بن عباس ومن وافقه، وقول إسحاق، وهو قول الظاهرية وغيرهم٢. ومنهم مَن يستحبُّه ويراه سُنَّة رسول الله ﷺ، كقول إمام السنة٣ أحمد بن حنبل، وقد قال له سَلَمة بن شبيب: يا أبا عبد الله كلّ شيء منك حَسَن إلا خصلة واحدة، تقول بفَسْخ الحجِّ إلى العمرة؟! فقال: يا سلمة، كان يبلغني عنك أنك أحمق، وكنت أدافع عنك، والآن علمتُ أنَّك أحمق! عندي في ذلك بضعة عشر حديثًا صحيحًا عن رسول الله ﷺ، أدعُها لقولك٤؟
(١) الأصل و(ش): «لقُرَيشِهم» كذا!
(٢) قول ابن عباس ذكره البخاري (٤٣٩٦) ومسلم (١٢٤٥)، وقول إسحاق ذكره ابن حزم في «المحلى»: (٧/ ١٠١)، لكن في «مسائل الكوسج لأحمد وإسحاق» (١٤٠٢ و١٥٧٨) اختار أنه إن ساق الهدي فالقِران أفضل، فإن لم يسق فالتمتّع. وحكاه ابن المنذر كما في «الإشراف»: (٣/ ١٩٨)، وعنه العراقي في «طرح التثريب»: (٥/ ٢٦)، وذكره ابن عبد البر في «الاستذكار»: (١١/ ١٣٤)، وابن تيمية في «الفتاوى»: (٢٦/ ٦٢)، والحافظ في «الفتح»: (٣/ ٤٢٩). ولقول الظاهرية ينظر «حجة الوداع» (ص ٣٥٩) لابن حزم.
(٣) في ط. الفقي: «أهل السنة» خلاف الأصل.
(٤) ذكر القصة في «المغني»: (٥/ ٢٥٣)، وذكره شيخ الإسلام في «المنهاج»: (٤/ ١٥٢) وغيره.
وهو قول الحسن وعطاء ومجاهد وعُبيد الله بن الحسن، وكثير من أهل الحديث، أو أكثرهم١.
التاسع: أن هذا موافق لحجِّ خيرِ الأمة وأفضلها، مع خير الخلق وأفضلهم، فإنه ﷺ أمرهم بالفسخ إلى المُتْعة، وهو لا يختار لهم إلا الأفضل، فكيف يكون ما اختاره لهم هو المفضول المنقوص، بل الباطل الذي لا يسوغ لأحدٍ أن يقتدي بهم فيه؟
العاشر: أن الصحابة ﵃ إذا لم يكتفوا بعمل العمرة معه ثلاثة أعوام في أشهر الحج، وبقوله لهم عند الإحرام: «مَن شاء أن يُهلَّ بعمرة فليهلّ» على جواز العمرة في أشهر الحج، فهم أحرى أن لا يكتفوا بالأمر بالفسخ في العلم بجواز العمرة في أشهر الحجّ، فإنه إذا لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله وفعله، فكيف يحصل بأمره لهم بالفسخ؟
الحادي عشر: أن ابن عباس الذي روى أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وأن النبيَّ ﷺ أمرهم لما قدموا بالفسخ، هو كان يرى وجوبَ الفسخِ ولا بدّ٢، بل كان يقول: «كلُّ مَن طاف بالبيتِ فقد حَلَّ من إحرامه ما لم يكن معه هدي»٣. وابنُ عباس أعلم بذلك، فلو كان النبي ﷺ إنما أمرهم بالفسخ للإعلام بجواز العمرة، لم يَخْفَ ذلك على ابن عباس، ولم يقل: «إن كلَّ مَن طاف بالبيت مِن قارنٍ أو حجَّ٤ لا هدْيَ معه فقد حَلَّ».