تهذيب السنن

وهو قول الحسن وعطاء ومجاهد وعُبيد الله بن الحسن، وكثير من أهل الحديث، أو أكثرهم١.

التاسع: أن هذا موافق لحجِّ خيرِ الأمة وأفضلها، مع خير الخلق وأفضلهم، فإنه ﷺ أمرهم بالفسخ إلى المُتْعة، وهو لا يختار لهم إلا الأفضل، فكيف يكون ما اختاره لهم هو المفضول المنقوص، بل الباطل الذي لا يسوغ لأحدٍ أن يقتدي بهم فيه؟

العاشر: أن الصحابة ﵃ إذا لم يكتفوا بعمل العمرة معه ثلاثة أعوام في أشهر الحج، وبقوله لهم عند الإحرام: «مَن شاء أن يُهلَّ بعمرة فليهلّ» على جواز العمرة في أشهر الحج، فهم أحرى أن لا يكتفوا بالأمر بالفسخ في العلم بجواز العمرة في أشهر الحجّ، فإنه إذا لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله وفعله، فكيف يحصل بأمره لهم بالفسخ؟

الحادي عشر: أن ابن عباس الذي روى أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وأن النبيَّ ﷺ أمرهم لما قدموا بالفسخ، هو كان يرى وجوبَ الفسخِ ولا بدّ٢، بل كان يقول: «كلُّ مَن طاف بالبيتِ فقد حَلَّ من إحرامه ما لم يكن معه هدي»٣. وابنُ عباس أعلم بذلك، فلو كان النبي ﷺ إنما أمرهم بالفسخ للإعلام بجواز العمرة، لم يَخْفَ ذلك على ابن عباس، ولم يقل: «إن كلَّ مَن طاف بالبيت مِن قارنٍ أو حجَّ٤ لا هدْيَ معه فقد حَلَّ».

  1. (١) ينظر «جامع الترمذي»: (٣/ ١٧٦ - ١٧٧)، و«المغني»: (٥/ ٨٢).
  2. (٢) أخرجه البخاري (١٥٦٤)، ومسلم (١٢٤٠/ ١٩٨).
  3. (٣) أخرجه البخاري (٤٣٩٦)، ومسلم (١٢٤٤/ ٢٠٦).
  4. (٤) كذا في الأصل و(ش)، وفي المطبوعات «حاج».
296

الثاني عشر: أنه لا يُظنّ بالصحابة الذين هم أصحُّ الناس أذهانًا وأفهامًا، وأَطْوَعهم لله ولرسوله= أنهم لم يفهموا جواز العمرة في أشهر الحج، وقد عملوها مع رسول الله ﷺ ثلاثة أعوام، وأذن لهم فيها، ثم فهموا ذلك من الأمر بالفسخ.

الثالث عشر: أن النبيَّ ﷺ إما أن يكون أمرهم بالفسخ لأن التمتُّع أفضل، فأمرهم بالفسخ إلى أفضل الأنساك، أو يكون أمرهم به ليكون نُسُكهم مخالفًا للمشركين في التمتُّع في أشهر الحج، وعلى التقديرَين، فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد. أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن الشريعة قد استقرَّت ــ ولا سيما في المناسك ــ على قَصْد مخالفة المشركين، فالنُّسُك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب، وهذا واضح.

الرابع عشر: أن السائل للنبي ﷺ: «عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟»١ لم يُرِد به أنها هل تُجزئ عن تلك السَّنَة فقط، أو عن العمر كلّه؟ فإنه لو كان مراده ذلك لسأل عن الحجِّ الذي هو فرض الإسلام، ومن المعلوم أن العمرة إن كانت واجبةً لم تجب في العُمُر إلا مرةً واحدةً. ولأنه لو أراد ذلك لم يقل له النبي ﷺ: «بل لأبد الأبد» فإن أبدَ الأبدِ إنما يكون في حقِّ الأمة قومًا بعد قوم٢ إلى يوم القيامة، و«أبد٣ الأبد» لا يكون في حقِّ طائفة معينة،

  1. (١) هذا نفسه حديث الباب السالف، وهذا لفظ النسائي في «المجتبى» (٢٨٠٥) وفي الكبرى (٣٧٧٣)، وأحمد (١٤١١٦).
  2. (٢) في النسخ المخطوطة والمطبوعات: «قومًا يعرفون»! ولعل الصواب ما أثبت بدليل السياق واحتمال الرسم لها.
  3. (٣) ط. الفقي: «وأن الأبد» خلاف الأصل.
297

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي