تهذيب السنن

بل هو لجميع الأمة. ولأنه قال [ق ٥٨] في رواية النسائي١: «أَلَنا خاصة أم للأبد؟» فدلَّ على أنهم إنما سألوه: هل يسوغ فِعْلها بعدك على هذا الوجه؟ فأجابهم بأن فِعْلها كذلك سائغ أبَدَ الأبَد. وفي رواية للبخاري٢: «أن سُراقة بن مالك لقي النبيَّ ﷺ فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: «بل للأبد».

الخامس عشر: أن النبيَّ ﷺ أخبرهم في تلك الحَجَّة أن كلّ مَن طاف بالبيت فقد حلَّ إلا مَن كان معه الهَدْي، ففي «السنن»٣ من حديث الرّبِيع بن سَبْرة، عن أبيه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعُسْفان قال له سُرَاقة بن مالك المُدْلجيّ: يا رسول الله اقضِ لنا قضاءَ قومٍ كأنما ولدوا اليوم؟ فقال: «إن الله ﷿ قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرةً، فإذا قدمتم فمن تَطَوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلّ، إلا مَن كان معه هَدْي»، وسيأتي الحديث. فهذا نصٌّ في انفساخه شاء أم أبى، كما قال ابن عباس وإسحاق ومَن وافقهما.

وقوله: «اقض لنا قضاءَ قومٍ كأنما ولدوا اليوم» يريد قضاء لازمًا لا يتغير ولا يتبدَّل، بل نتمسك به من يومنا هذا إلى آخر العمر.

السادس عشر: أن النبيَّ ﷺ لما سُئل عن تلك العمرة التي فسخوا إليها الحجَّ وتمتّعوا بها ابتداءً فقال: «دخلت العمرةُ في الحجِّ إلى يوم القيامة»

  1. (١) (٢٨٠٧) وقد تقدم الكلام عليه (ص ٢٩٣).
  2. (٢) (١٧٨٥).
  3. (٣) أخرجه أبو داود (١٨٠١)، وأحمد (١٥٣٤٥)، والدارمي (١٨٥٧) وغيرهم بإسناد صحيح.
298

كان هذا تصريحًا منه بأن هذا الحكم ثابت أبدًا، لا ينسخ إلى يوم القيامة، ومَن جعله منسوخًا فهذا النصّ يردُّ قولَه.

وحَمْله على العمرة المبتدأة التي لم يُفْسَخ الحجُّ إليها باطل، فإنّ عمرة١ الفسخ سبب٢ الحديث فهي مرادة منه نصًّا، وما عداها ظاهرًا. وإخراجُ محلِّ السبب وتخصيصُه من اللفظ العامِّ لا يجوز، فالتخصيص وإن تطرَّق إلى العموم فلا يتطرَّق إلى محلِّ السبب. وهذا باطل.

السابع عشر: أن متعةَ الفسخ لو كانت منسوخةً لكان ذلك من المعلوم عند الصحابة ضرورةً، كما كان من المعلوم عندهم نسخ الكلام في الصلاة، ونسخ القبلة، ونسخ تحريم الطعام والشراب على الصائم بعد ما ينام، بل كان بمنزلة الوقوف بعرفة والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس، فإنَّ هذا من أمور المناسك الظاهرة المشترك فيها أهل الإسلام، فكان نسخه لا يخفى على أحد. وقد كان ابن عباس إذا سألوه عن فتياه بها يقول: «سنة نبيكم، وإن رَغِمْتُم»٣ فلا يراجعونه. فكيف تكون منسوخةً عندهم وابن عباس يخبرهم٤ أنها سنة نبيهم، ويفتي بها الخاصَّ والعامَّ، وهم يُقرِّونه على ذلك؟ هذا من أبطل الباطل.

الثامن عشر٥: أن الفسخَ قد رواه عن النبي ﷺ أربعةَ عشر من

  1. (١) ط. الفقي: «عمدة» تصحيف.
  2. (٢) رسمها في الأصل: «بسبب» والظاهر ما أثبت.
  3. (٣) أخرجه مسلم (١٢٤٤/ ٢٠٦)، وأحمد (٢٥١٣).
  4. (٤) ط. الفقي: «يخبر».
  5. (٥) هذا السرد لرواة الحديث مستفاد من كتاب «حجة الوداع» (ص ٣٨٩) لابن حزم.
299

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي