تهذيب السنن

زيد، ومجاهد، وكُرَيب، وأبو العالية، ومسلم القُرّي١، وأبو حسّان الأعرج.

ورواه عن سَبْرة: ابنُه٢.

فصار نَقْلَ كافةٍ عن كافة، يوجِب العلمَ، ومثل هذا لا يجوز دعوى نسخه إلا بما يترجَّح عليه أو يقاومه. فكيف يسوغ دعوى نسخه بأحاديث لا تقاومه ولا تدانيه ولا تقاربه، وإنما هي بين مجهولٍ رواتُها، أو ضعفاء لا تقوم بهم حُجّة؟ وما صحَّ فيها فهو رأيُ صاحِبٍ، قاله بظنه واجتهاده، وهو أصح ما فيها، وهو قول أبي ذر: «كانت المتعة لنا خاصة»٣، وما عداه فليس بشيء، وقد كفانا رواتُه مؤنتَه. فلو كان ما قاله أبو ذر رواية صحيحة ثابتة مرفوعة لكان نسخ هذه الأحاديث المتواترة به ممتنعًا، فكيف وإنما هو قوله؟! ومع هذا فقد خالفه فيه عشرةٌ من الصحابة كابن عباس، وأبي موسى الأشعري٤، وغيرهما؟!

التاسع عشر: أن الفسخ موافقٌ للنصوص والقياس. أما موافقته للنصوص فلا ريب فيه كما تقدم. وأما موافقته للقياس: فإن المحرم إذا التزم أكثر مما كان التزمه جاز بالاتفاق، فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحجَّ

  1. (١) في الأصل و(هـ، ش): «القرشي» تصحيف، ورواية القُرّي في «صحيح مسلم» (١٢٣٨/ ١٩٤) و«سنن أبي داود» (١٨٠٣) والتصحيح منها، ومن «حجة الوداع» (ص ٣٨٦) لابن حزم.
  2. (٢) وبقي حديث: سراقة فرواه عنه طاووس. وقد سقط سهوًا من المؤلف أو الناسخ، وهو في كتاب «حجة الوداع» (ص ٣٨٩) لابن حزم.
  3. (٣) أخرجه مسلم (١٢٢٤/ ١٦٣).
  4. (٤) أخرجه البخاري (١٧٢٤)، ومسلم (١٢٢١/ ١٥٤).
301

جاز اتفاقًا، وعكسه لا يجوز عند الأكثرين، وأبو حنيفة يجوِّزه على أصله، في أن القارِن يطوف طوافين ويسعى سعيين١، فإذا أدخلَ العمرةَ على الحجِّ جاز عنده، لالتزامه طوافًا ثانيًا وسعيًا، وإذا كان كذلك فالمُحْرِم بالحجِّ لم يلتزم إلا الحجّ، فإذا صار متمتِّعًا صار ملتزمًا لعمرة وحجّ، فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه، فجاز ذلك بل استُحِبّ له لأنه أفضل وأكثر مما التزمه أولًا.

وإنما يتوهّم الإشكال مَن يتوهم أنه فَسْخ حجٍّ إلى عمرة، وليس كذلك، فإنه لو أراد أن يفسخ الحجَّ إلى عمرة مفردة، لم يجز عند أحدٍ، وإنما يجوز الفسخ لمن نيّتُه أن يحجَّ بعد متعته من عامه، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخَلَ في الحج، كما قال النبي ﷺ: «دخلت العمرةُ في الحج»٢. [ق ٥٩] فهذه المتعةُ التي فُسِخ إليها هي جزءٌ من الحجِّ، ليست عمرةً مفردةً، وهي من الحجِّ بمنزلة الوضوء من غُسل الجنابة، فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال، وهذا لا يمنع أن تكون واحدة، كطواف الإفاضة، فإنه من تمام الحج، ولا يُفْعَل إلا بعد التحلل الأول، وكذلك رَمْي الجمار أيام منى من تمام الحج، وهو يُفْعَل بعد التحلل التام.

وقول النبي ﷺ: «من حَجَّ هذا البيت فلم يرفُثْ ولم يَفْسُق»٣ يتناول من حجّ حجةً تمتّعَ فيها بالعمرة، وإن تحلل من إحرامه ولم تكن حجته مكية، إذ لا ينقلهم الرؤوف الرحيم بهم من الفاضل الراجح إلى المفضول

  1. (١) ينظر لمذهبه «بدائع الصنائع»: (٢/ ١٤٩)، و«الهداية»: (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧).
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) أخرجه البخاري (١٥٢١)، ومسلم (١٣٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
302

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي