جاز اتفاقًا، وعكسه لا يجوز عند الأكثرين، وأبو حنيفة يجوِّزه على أصله، في أن القارِن يطوف طوافين ويسعى سعيين١، فإذا أدخلَ العمرةَ على الحجِّ جاز عنده، لالتزامه طوافًا ثانيًا وسعيًا، وإذا كان كذلك فالمُحْرِم بالحجِّ لم يلتزم إلا الحجّ، فإذا صار متمتِّعًا صار ملتزمًا لعمرة وحجّ، فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه، فجاز ذلك بل استُحِبّ له لأنه أفضل وأكثر مما التزمه أولًا.
وإنما يتوهّم الإشكال مَن يتوهم أنه فَسْخ حجٍّ إلى عمرة، وليس كذلك، فإنه لو أراد أن يفسخ الحجَّ إلى عمرة مفردة، لم يجز عند أحدٍ، وإنما يجوز الفسخ لمن نيّتُه أن يحجَّ بعد متعته من عامه، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخَلَ في الحج، كما قال النبي ﷺ: «دخلت العمرةُ في الحج»٢. [ق ٥٩] فهذه المتعةُ التي فُسِخ إليها هي جزءٌ من الحجِّ، ليست عمرةً مفردةً، وهي من الحجِّ بمنزلة الوضوء من غُسل الجنابة، فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال، وهذا لا يمنع أن تكون واحدة، كطواف الإفاضة، فإنه من تمام الحج، ولا يُفْعَل إلا بعد التحلل الأول، وكذلك رَمْي الجمار أيام منى من تمام الحج، وهو يُفْعَل بعد التحلل التام.
وقول النبي ﷺ: «من حَجَّ هذا البيت فلم يرفُثْ ولم يَفْسُق»٣ يتناول من حجّ حجةً تمتّعَ فيها بالعمرة، وإن تحلل من إحرامه ولم تكن حجته مكية، إذ لا ينقلهم الرؤوف الرحيم بهم من الفاضل الراجح إلى المفضول
(٣) أخرجه البخاري (١٥٢١)، ومسلم (١٣٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
الناقص، بل إنما نقَلَهم من المفضول إلى الفاضل الكامل، لا يجوز غير هذا البتة.
العشرون: أن القياس أنه إذا اجتمعت عبادتان، كبرى وصغرى، فالسنة تقديم الصغرى على الكبرى منهما، ولهذا كان النبي ﷺ يبدأ في غسل الجنابة بالوضوء أولًا، ثم يُتبِعُه الغسل، وقال في غسل ابنته: «ابدَأْنَ بميامنها، ومواضع الوضوء منها»١. ففَسْخ الحجِّ إلى العمرة يتضمَّن موافقةَ هذه السنة.
فقد تبيَّن أنه موافق للنصوص والقياس، ولحجِّ خيار الأمة مع نبيها ﷺ. ولو لم يكن فيه نصٌّ لكان القياس يدلُّ على جوازه من الوجوه التي ذكرنا وغيرها، ولو تتبعنا أدلة جوازه لطالت. وفي هذا كفاية والحمد لله.
١٠٢/ ١٧١٤ - وعنه قال: قَدِم رسولُ الله ﷺ وأصحابُه لأربعِ ليالٍ خَلَوْنَ من ذي الحجّة، فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، قال رسول الله ﷺ: اجعلوها عمرةً، إلَّا مَنْ كان معه الهدي، فلما كان يومُ التَّروية أَهَلُّوا بالحجِّ، فلما كان يوم النحر، قدموا فطافوا بالبيت، ولم يطَّوّفوا بين الصفا والمروة».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه٢، بنحوه مختصرًا ومطولًا.
قال ابن القيم ﵀: وفيه اكتفاء المتمتِّع بسعي واحد، كما تقدم. والله
أعلم.
(١) أخرجه البخاري (١٦٧)، ومسلم (٩٣٩) من حديث أم عطية ﵂.
(٢) أخرجه أبو داود (١٧٨٨)، والبخاري (١٥٦٨)، ومسلم (١٢١٦)، والنسائي (٣٩٧١)، وابن ماجه (٢٩٧٢).